ألا إنما هذا الذي لك أنقل

جميل صدقي الزهاوي

(45) مشاهدة


«ألا إنما هذا الذي لك أنقل» — جميل صدقي الزهاوي: النص الكامل مكتوباً وواضحاً للقراءة.
مقدمة تحريرية عن العمل — من إعداد أرشيف aama.sa.

كلمات أغنية «ألا إنما هذا الذي لك أنقل»

ألا إنما هذا الذي لك أنقل
له مثلما أرويه أصل مؤصَّلُ
قضى أحد الضباط في الحرب نحبه
وكانإذا دارت رحى الحرب يبسُل
وخلَّف زوجاً قلبها رهن حبه
وكان له قلب بها متشغِّل
من اللاء لم يأتين فاحشة ولا
زُنن بما منه العقائل تخجل
نوار كشخص للعفاف مجسم
فإن ذكر الناس العفاف تمثل
ترقرق ماء الحسن في وجهها الذي
هو البدر ليل التِمِّ أو هو أجمل
فجلَّ لفقدان الوليّ مصابها
وباتت تناجي الهم والعين تهمل
وقد كان منها الخد كالورد زاهيا
فأصبح ذاك الورد بالهم يذبل
ولازم حمى الدق ناعم جسمها
فأمست على رغم الشبيبة تنحل
ويعرق منها الجسم في كل ليلة
وتنفث من سُل دماً حين تسعلُ
وأنشب في أحشائها الداء ظفره
فظلت له أحشاؤُها تتبزل
سقام بها أعيا الأطباء برؤه
إذا لم يعنها اللَه فالأمر مشكل
أمكروب داءِ السل هل أنت عارف
لمن أنت تؤذي أو بمن أنت تنكل
أرحها فما أبقيت إلا حُشاشة
بها حكمها عما قريب سيبطل
تجنب فقد مزقت أحشاء صدرها
أَأَنت بها حتى الممات موكل
وفسّح لها في العمر وارحم شبابها
فإنك إن أرجأتها أنت مفضل
لكِ اللَه من مسلولة حان حينها
وعما قليل للمقابر ترحل
وفاجأَها فقر فباعت لدفعهِ
أثاثاً به قد كانت الدار تجمل
إلى أن تخلى البيت من كل ما به
ولم يبق فيه ما يباع ويُنقل
تجانبها الأدنى وكل لداتها
وأعرض عنها جارها المتمول
هنالك أبدى الجوع ناجذه لها
وزاد بها الداء الذي هو معضل
فخارت قواها في غضير شبابها
وحارت فلم تدر الذي هي تفعل
كذلك جسم المرء يأكله الطوى
إذا المرء لم يلف الذي هو يأكل
فسارت على ريث تؤمُّ محلَّة
ترجِّى بها خيراً لها وتؤمل
وتزجي لها طفلاً جميلاً أمامها
كما تستحث الخِشف ادماء مغزل
لقد أضعف الجوع المبرِّح خطوه
فسار وفي أحشائِه النار تُشعل
يحور إليها بالبكاء فتنحني
عليه وتُسلى قلبه وتقبل
وتمسح عينيه اللتين أذالتا
دموعاً على الخدين منه تسلسل
تحاول أم الطفل منع دموعه
ولكنها رغما عن الأم تهطلُ
خبير بقصر الأم يشكو لها الونى
بعينيه إلا أنه ليس يسأل
تروح إلى دار الحكومة تبتغي
معاشاً لها مستأخراً ليس يحصل
ريالان بعد الزوج قد رُتبا لها
وذلك نزر ليس بالعيش يكفل
تقول لذي أمر على المال سيدي
إليك بجاه المصطفى أتوسل
أنلني معاشي اليوم وارحم فإننا
جياع إذا لم نُعطَ من أين نأكل
فأوسعها شتما ورد سؤالها
وقال لها موتي طوى لست أبذل
فعادت على يأس لها ملءَ قلبها
وقد خنقتها عبرة تتغلغل
أمالك أمر المال إنك زدتها
سقاماً على سقم أقلبك جندل
ألم ترَ أن السل أنحل جسمها
وحملها الإعواز ما لا تحمل
منكدة قد طالبتك بحقها
فلو كنت تقضي سؤلها كنت تعذل
وآبت إلى المأوى فباتت على طوى
تكابد طول الليل والليل أليل
وأعوزها زيت تنوِّر بيتها
به والدجى سجف على الأرض مسبل
فجرَّ إليها الليل أجناد همِّها
إذا فرَّ منها جحفل كرَّ جحفل
تقول ألا مالي أرى الصبح مبطئاً
وعهدي به في سالف الدهر يعجل
فيا ليل ما أدرى وقد طلتَ داجياً
أعتبي على الأيام أم أنت أطول
ألا ليت أمي لم تلدني أو انني
نفتني المنايا قبل أنيَ أعقل
برمت بمالي من حياة فإنها
شقائي وإن الموت منها لأفضلُ
حياة أمرَّتها الرزايا كأنما
يمازجها منهن صاب وحنظل
وعتبي على الأقدار فهي بما جرت
به لم تكن أستغفر اللَه تعدل
فيا موتُ زر إن الحياة تعاسة
ويا نفس جودي إن دهرك يبخل
وما سفري إن متُّ ينأَى وإنما
إلى بطنها من ظهرها اتنقل
ألا إن بطن الأرض للمرء منزل
كما أن ظهر الأرض للمرء منزل
ولم أرَ بين المنزلين تفاوتاً
سوى أن ذا أعلى وذلك أسفل
ولا مثل بطن القبر دار عدالة
تساوى بها حالا رؤوس وأرجل
ولست على الشكوى أدوم إذا دنا
حمامي إلا ريثما اتحوَّل
ولكن روحي للسماء رقيها
هنالك من نجم لنجم تجول
إلى أن تلاقي روح زوجي صادق
فتتصل الروحان والبين يخجل
فلو أبصرت روحي على البعد روحه
إذاً لمشت روحي إليه تهرول
تقبل روحي روحه وتشمُّه
وتشكو إليه ما بها كان ينزل
وتمسك بالأيدي بفضل ردائه
وما أن تخلِّى بعد للحرب يرحل
وقولي له يا روح بعدك عيشنا
تعسر حتى كاد لا يُتَحمَّل
أصبح من قد كان بالأمس سائلاً
بأحوالنا عما بنا ليس يسأل
تجنبنا الأدنى ومن كان صاحباً
ومن كان يطرينا ومن كان يجمل
وخرّى على أقدامه وتذللي
له أن من يبدي الهوى متذلل
وفي فمها بان ابتسام كأنها
تشاهد شخص الزوج فيما تخيَّلُ
تراه قريب الأرض في الجو ثابتاً
فلا هو يستعلي ولا هو ينزل
فمدت يداً نحو الخيال مشيرة
إليه وقالت وهي في البين تسعل
بربك أنبئني أإنك صادقي
قد ازدرت أم أنت الخيال الممثل
فإن كنت إياه فقل غير كاتم
لماذا لماذا أنت لا تتنزل
أصادق أنت السؤل للنفس فاقترب
وأنت لها أنت الرجاء المؤمل
فإن كان لي ذنب به عفتَ مسكني
فإني لذاك الذنب بالدمع أغسل
إذا ذكرتكَ النفس جاشت صبابة
وفار عليها من غرامك مِرجل
تبدَّل مني كل شيء عهدته
ولكنما حبيك لا يتبدل
فهل أنت في حبي كما كنت سابقاً
وقلبك كالقلب الذي كنت تحمل
إذا كنت عني أنت وحدك راضيا
فكل صعوبات الحياة تسهل
هلم إلى جنبي فإني مريضة
بحمى قوى جسمي بها تتزلزل
وسارع وأحضر لي طبيباً مداويا
كما كنت قبلا إن تشكيتُ تفعل
ولكنني أخطأت فيما طلبته
ذهولا ومن قاسى الحوادث يذهل
فإني لا أبغي سواك مداوياً
فأنت طبيبي والشفاء المؤَمل
أقم عندنا لا ترحلّن فإن تُقم
فكل نحوسات الزمان ترحل
نعيش كما كنا نعيش بغبطة
ونمرح في ثوب السلام ونرفُل
فحينئذٍ لا حادث يستفزِّنا
ولا أحد بيني وبينك يفصل
وغاب فقالت آه بل أنت ميت
ولكنما روحي إليك ستقبلُ
وحانت لصوب الطفل منها التفاتة
فقالت وفياضٌ من الدمع مهمل
ولكن صبِّي من يقوم بأمره
إذا زارني حتفي الذي أتعجل
أَأَترك من بعدي صغيري أحمداً
وحيداً بلا حامٍ بهِ يتكفل
وأحمد ريحاني فإن أَبتعد فمن
يشممه بعدي ومن ذا يقبل
أليست تكاليف الحياة التي لوت
جناحي على طفل كأحمد تثقلد
وأغمى من جوع على الطفل أحمدٍ
فصاحت أغث ربي عليك المعول
أطلَّت عليها جارة ذات عيلة
لتعلم من في ظلمة الليل يعول
ونادت من الباكي كذا بحرارة
وذيل الدجى الضافي عَلَى الأرض مسدل
أجابت بصوت راجف متقطع
وقالت أنا يا هذه أنا سنبل
جعادة إن ابني تُغَيَّبُ نفسه
من الجوع إن الجوع ويلي يقتل
جعادة إن ابني الوحيد هو الذي
بهِ في ليالي وحدتي أتعلل
جعادة أن الأمر جدٌّ فأدركي
وللجار حق واجب ليس يغفل
فجاءت إليها بالسراج وَنبَّهت
قوى الطفل حتىّ عادَ يَرنو وَيعقل
سقته حليباً كان ملءَ ثديِّها
فنام وباتت أمه تتململ
وتذرف عيناها الدموع وقلبها
تظلُّ به الأحزان تعلو وتسفل
إلى الصبح حتى بان فانطلقت إلى
محلِّ بهِ أهل المبرة تنزل
عليها ثياب رثة وملاءة
كأحشائها في كل آن تبزل
تكفكف دمعاً بالبنان وكلما
مشت خطوة أو خطوتين تمهل
تمد يميناً بالسؤال ضعيفة
وتخجل منهم عند ما هي تسأل
أأرملة الجندي لا تخجلي فمن
حقوق العلى أن الحكومة تخجل

قراءة في كلمات الأغنية

الزهاوي شاعر أفكار لا شاعر أحوال، وهذا مقياس الحكم عليه. فهو لا يعنيه أن يهزّك بالصورة بل أن يقنعك بالحجّة، فجاء شعره أقرب إلى النظم المنطقي، وفيه ضعف صناعي يعترف به ناقدوه ومحبّوه. لكن قيمته في مكان آخر: أنه أوّل من أدخل موضوعات العلم الحديث إلى القصيدة العربية جدّاً لا تفكّهاً، وأوّل من جعل مسألة المرأة موضوعاً شعرياً صريحاً في المشرق. وبذلك وسّع ما يجوز أن يُقال في الشعر، وهذا فتح لا يقاس بجودة بيت أو ركاكته. ويُقرن دائماً بالرصافي، والفرق بينهما فرق بين من يخاطب العقل ومن يخاطب الوجدان.
تحليل تحريري أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.

قصة العمل

نشر الزهاوي سنة 1910 مقالاً في صحيفة مصرية يدعو فيه إلى رفع الحجاب، ونشره باسم مستعار — فلم يُجدِ ذلك، إذ عُرف صاحبه فقامت عليه بغداد وفُصل من عمله. وكان قبلها وبعدها ينظم في ما لا ينظم فيه الشعراء: الجاذبية، وحركة الأرض، ونشوء الأنواع، ومسائل الفلك. ثم كتب رحلة شعرية إلى الجحيم على غرار ما فعله دانتي، فزاد الجدل حوله. ومات سنة 1936 وقد أنفق عمره في خصومة مزدوجة: مع أهل التقليد في الدين، ومع الرصافي في الشعر.
محتوى توثيقي أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.

معلومات ومفارقات

نظم في نظرية النشوء والجاذبية في وقت لم تكن هذه الموضوعات قد استقرّت في الثقافة العربية بعد، فعُدّ من أوائل من حاول شعراً علمياً في العربية الحديثة. وقصيدته في رحلة إلى الجحيم قوبلت باستنكار واسع في حياته.
معلومات توثيقية مختارة من إعداد أرشيف aama.sa.
جميل صدقي الزهاوي
بلد المنشأ: الدولة العثمانية
سنة الميلاد: 1863
سنة الوفاة: 1936
جميل صدقي الزهاوي شاعرة المعروفة بأسلوبه الشعري المميز، ينتمي إلى العصر الحديث والمعاصر في العالم العربي، ويضم الأرشيف عدداً من النصوص المنسبة إليها تُغنّى وُتُقرأ حتى اليوم. تميّز لها شعر بدقة اللغة وقوة الصورة،
المسيرة والإنجازات
قدّمت جميل صدقي الزهاوي نصوصاً شعرية غنّاها كثير من المطربين، وتبرز من رصيده الغنائي أعمال مثل: مات سعد فما عسى أن تقولا، أفي كل يوم رحلة وتغرب، ايمل يوسف فوق دجلة قصره، قد طغى يطفح الفرات وعبا، قد جاء يا أم وقت فوتي، انما نهضة الامم، ألا يا دمع إنك ترجماني، ايها البدر الذي، عتا وقال يقيني، أكبر بفيصل من مليك حازم، انا شيخ بذكرياتي احيا، لهفي يطول على شبابك، بكل مقام وقفة لك تبهت، لقد تصورت جسما، أين القصيد التي أبياتها خزف. يعكس هذا الإرث تنوّع اهتماماته الشعرية وقدرته على تجسيد المشاعر الإنسانية بألفاظ بليغة.

أعمال أخرى لـ جميل صدقي الزهاوي

تنويه حقوق: النص الغنائي أعلاه مملوك لأصحاب حقوقه من شعراء وملحّنين وشركات إنتاج، ويُعرض هنا لغرض التوثيق والأرشفة المرجعية. المادة التحريرية المصاحبة (بطاقة العمل، المعنى، القراءة، القصة، المصادر، نبذة الفنان) من إعداد فريق الموقع. أصحاب الحقوق يمكنهم تقديم طلب إزالة عبر هذا النموذج.
تصحيح الكلمات