النزول من الكرمل

محمود درويش

(45) مشاهدة


اقرأ «النزول من الكرمل» من نظم محمود درويش كاملةً ومرتّبة ضمن أرشيف الكلمات العربية.
مقدمة تحريرية عن العمل — من إعداد أرشيف aama.sa.

كلمات أغنية «النزول من الكرمل»

ليومٍ يُجدّدُ لي موعدي، قلتُ للكرمل: الآن أمضي.
و ينشرُ البحر بين السماء و مدخلِ جرحي
و أذهبُ في أُفّقٍ ينحني فوقنا، و يُصلّي
لنا ،أو يُكَسّرُنا. هذه الأرض تشبهنا
حين نأتي إليها. و تشبهنا حين نذهب عنها.
تركتُ ورائي ملامحها، و اسمها كان يمشي أمامي
يُسمّي ملامحها و انفجاري. تركتُ سرير الولادهْ
تركتُ ضريحاً مُعدّاً لأيِّ كلام..
تركتُ التي أوجَعَتْهاَ ذراعي. تركت التي أوجعتني يداها.
تُفتّشُ عن عاشقٍ بعد خمس دقائق من هجرتي
ليومٍ يُجَدّدُ لي موعدي، قلتُ للكرمل: الآن أمضي.
تمرّ الرصاصةُ فوق جبيني، و تجمعني مثلما تجمع القبلةُ الشفتينْ
و تولد رمّانةٌ في الصخور التي دجّنتْني، و تجعلني عاشقين
بعيداً.. بعيداً.
و ينتشر البحر بين السماء و مدخل جرحي
تخيّلتُ أنكَ مُتَّكئي
و سئمتُ العلاقة بين المسامير و الخشبهْ
و حين ترجَّلتُ عن قمّة الرمح و الجرح أمسكتُ شيئاً
فَكَانَ حذاءَ الحرسْ
يكمّلني هابطاً هابطاً..
منذ ذاك النهار المبكِّر أبحث عن موطئ القدمين
و أتبعُ نهراً، و لا أتبع الموجَ
هل أستردُّ زفيري!.
يُقاسمُني عسكريُّ جراحي
و يحرسها كي ينال وساماً
و يمنعني من مواصلة الموت ، يأخذ نصف جراحي
و يترُكُ نصفا لأمن الأممْ .
يهزُّ أصابع كفيّ
فتسقط ذكرى.
رصاصٌ قديم.
صنوبرةٌ.
ثمر فاسدٌ.
تهمةٌ.
أسئلهْ
يُفتّشُ كفّيَ ثانية، فيصادر حيفا التي هرّبت سُنْبلهْ
و يا أيّها الكرملُ،
الآن تقرع أجراس كل الكنائسْ
و تعلن أنّ مماتي المؤقّت لا ينتهي دائماً، أو ينتهي مَرّةً،
أيّها الكرمل، الآن تأتي إليك العصافيرُ من ورق
كنتَ لا فرق بين الحصى و العصافيرِ .
و الآن بَعْثُ المسيح يُؤجّل ثانيةً
أيّها الكرمل، الآن تبدأ عطلةُ كل المدارس
و تُنشدني الآن فيروز
و الآن نأخذ أنبوبةً من حبوبٍ تُسيل الدموع ،
فنبكي على جبل طائرٍ
أيّها الكرمل، الآن يجعلني ضابط آخرٌ عرضة للخلود !
بَعُدنا عن الشجر. البحرُ فاصلةٌ بيننا
و ها نحن بين الطهارة و الإثم شيئان يلتحمان و ينفصلان
كأن الأحبّة دائرةٌ من طباشيرَ
قابلةٌ للفناء و قابلة للبقاء.
و ها نحن نحمل ميلادنا مثلما تحمل المرأةُ العاقرُ الحُلُما
و ها أنتَ مئذنة الله حيناً
و قبّعة لجنود المظلاّت حيناً
و ها أنت يا كرملي كلُّما
جرّدتني الحروبُ من الأرض أعطيتَني حُلُما.
و ها أنا أعلن أن الزمان تغيّرَ:
كانت صنوبرةٌ تجعل الله أقربْ
و كانت صنوبرة تجعل الجرح كوكبْ
و كانت صنوبرة تُنجب الأنبياءْ
و تجعلني خادماً فيهمُ
أيّها الكرمل المتشعِّب في كل جسمي
لماذا تحمّلني كل هذي المسافاتِ
و البحرُ فاصلةٌ بيننا؟
أوقَفَتْني فتاة معبُّأة بالدوالي
و كانت تغنّي على طُرُق الشامِ:
يا ليت دالية واحدة
لم تسافر معي.. فأعود إليها
قبّلتني فتاةٌ لأني لفظت اسم كرملها في مُكَبرّ صوت،
فجاءت إلى فندقي لتقول"أحبُّك"، و التجأتْ
لاسمه في ذراعي
_و ماذا يقول الجبلْ؟
بكى قصبٌ في الغدير
و كان الغدير مرايا
فلم ينطبق الجبلُ
_و هل رحلوا؟
* تصبَّبت الريحُ من جبهتي
فمسحتُ الرياح كما تمسحين العرقْ ..
تذكرتُ أني نهضت صباحاً
و كانت شهادةُ ميلاد أمّيَ قابلة للنقاش
و كانت أناشيد أهلي العربْ
تُرتِّبُ أمتعة اللاجئين .
و تبني جسور العبور .
و صارت فلسطين أقربْ .
فاختلف اللاجئون على موسم القمح و البرتقال
أوقفتني فتاةٌ معبَّأةٌ بالدوالي
و كانت تغّنّي على طُرق الشامِ :
يا ليت دالية واحدة
لم تسافر معي.. فأعود إليها
و سافرتُ _
يا أيّها الكرملُ .البحرُ. و العشبُ. و النارُ
يا صخرة الفرح العائمهْ
و صمّمتُ جلدي قميصا لأخفي آثار طعنتك النادمهْ
فأنكَرني العسكريُّ
و كنتُ على باب أمي هناك أنادي دمشقْ
فتسمع نبض دمي حفيف صنوبركَ المبتعدْ
و تغسلني دجلةُ الخير حين أموت من الوجد شوقاً إلى
أرض بابل .
و ها أنذا الآن
حين دخلتُ إلى الجامع الأمويِّ تساءل أهل دمشق:
مَنِ العاشقُ المغتربْ؟
و كانت مياه الفرات و نافورة النيل تحذف آثار زنزانتي
عن ضلوعي
و حين وقفتُ على النيل يوماً و شاطئ دجلة يوماً
تساءل كل الذين رأوا دهشتي
مَن السائحُ المغتربْ ؟!
تركتُ الحبيبة _لم أنسها_ في غروب الشجرْ
تطرِّز من زَبَد البحر منديلها و ضمادي
توهَّمتُ أنّ السموات أبعدُ من يدها عن جبيني
و أوهمّتُها أن قلبي يصلْ
و أنّ يدي تنتقلْ
إلى جُثّة ضائعهْ
تركتُ الحبيبة _لم أنسها_ عند سفح الجبل
تعيرُ العصافيرَ ألوانها
و كانت يداها ينابيعَ من كلِّ لونٍ و ما اشتُقَّ منه
و لكنني كنتُ أشعر أن الينابيع كانت معرّضة للجفاف
و أنّ فمي ينتقل
إلى لُغَة ثانية
تركتُ الحبيبة لم أنسها
تركت الحبيبة
تركت ..
أحبّ البلاد التي سأحبْ
أحب النساء اللواتي أحبْ
و لكن غصناً من السرو في الكرمل الملتهبْ
يُعادل كل خصور النساء
و كلّ العواصم
أحبُّ البحار التي سأحبُّ
أحبُّ الحقول التي سأحبُّ
و لكنَّ قطرةَ ماءِ على ريش قُبَّرّة في حجارة حيفا
تعادل كل البحار
و تغلسني من ذنوبي التي سوف أرتكبُ
أدْخلُوني إلى الجنة الضائعة
سأطلق صرخةَ ناظم حكمت
آه.. يا وطني !..

محمود درويش
بلد المنشأ: دولة فلسطين
سنة الميلاد: 1941
سنة الوفاة: 2008
بداية المسيرة: 1963
شاعر وكاتب ومراسل من دولة فلسطين (1941 - 2008م). يضم الأرشيف 451 نصاً منسوباً إليه.محمود درويش (13 مارس 1941 – 9 أغسطس 2008) هو شاعر فلسطيني، يُعتبر أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن وبالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني التي تم إعلانها في الجزائر. وهو عضو المجلس الوطني الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، وله دواوين شعرية مليئة بالمضامين الحداثية.
المسيرة والإنجازات
وُلد محمود درويش في 13 مارس 1941 في قرية البروة وهي قرية فلسطينية تقع في الجليل قرب ساحل عكا، حيث كانت أسرته تملك أرضًا هناك. خرجت الأسرة برفقة اللاجئين الفلسطينيين في العام 1948 إلى لبنان، ثم عادت متسللة عام 1949 بعد توقيع اتفاقيات الهدنة، لتجد القرية مهدمة وقد أقيم على أراضيها موشاف (قرية زراعية إسرائيلية) «أحيهود». وكيبوتس يسعور فعاش مع عائلته في قرية الجديدة.بعد إنهائه تعليمه الثانوي في مدرسة يني الثانوية في كفرياسيف انتسب إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي وعمل في صحافة الحزب مثل الاتحاد والجديد التي أصبح في ما بعد مشرفًا على تحريرها، كما اشترك في تحرير جريدة الفجر التي كان يصدرها مبام.

أعمال أخرى لـ محمود درويش

تنويه حقوق: النص الغنائي أعلاه مملوك لأصحاب حقوقه من شعراء وملحّنين وشركات إنتاج، ويُعرض هنا لغرض التوثيق والأرشفة المرجعية. المادة التحريرية المصاحبة (بطاقة العمل، المعنى، القراءة، القصة، المصادر، نبذة الفنان) من إعداد فريق الموقع. أصحاب الحقوق يمكنهم تقديم طلب إزالة عبر هذا النموذج.
تصحيح الكلمات