الوشاية
قاسم حداد
(49) مشاهدة
كلمات «الوشاية» للشاعر قاسم حداد كاملةً ومكتوبة — ضمن أرشيف الكلمات العربية.
مقدمة تحريرية عن العمل — من إعداد أرشيف aama.sa.
كلمات أغنية «الوشاية»
رُويَ أنه لما طار غضبُ الملكِ عمرو بن هند شَراراً، التفتَ إلى المتلمس الماثل أمامه، يسألُه عن ابن أخته المترفِّع المتمنِّع عن البلاط دونَ سائر الشعراء. ولما كان في سؤالِ الملكِ غيظٌ لم يرحمْ النفس الصغيرة التي ينطوي عليها المتلمس، شَعرَ هذا أنَّه ليس في مقدورِه حمل وزرَ طرفة في حضرة ملكٍ تفجَّرَتْ نيرانُ غضبِه، وليس لأحدٍ الصبر على أسبابه. قيلَ إن المتلمس في ذلك الموقف تشبَّثَ بتلابيبِ كيانِه الهشّ، وصَفَـنَ برهةً محملقاً في مَنْ حوله، محدّقاً في الوجوه المسمّرة عليه. ثم استجْمَعَ أشلاءَ روحِه التي بَدَتْ كأنهّا تتفَسَّخ في مسكنها، وتتحدَّرُ من بدنِه. ثم بدأ ينهضُ من جثوتِه ببطءِ المذبوحِ كمنْ عزمَ على أمرٍ ذاهبٍ به لا محالة. وما إن اكتملتْ وقفتُه وخرجَ من صفنَتِه، استدارَ على عقبيه دورةً كاملةً، ماسحاَ بنظره الوجوهَ الشاخصةَ، لكي يصلَ أخيراً بعينين ذاويتين إلى الملك، الذي كان يرقبُ من مكانه لحظةَ التحولات العنيفةِ، التي كان المتلمس يكابدها بقدرٍ محسوسٍ من العويل المكتوم. فيما يكمل دورته، كأنه يريدُ أن ينتقلَ بكاملِ كيانِه وحواسِه، من كوكبِ الشِعرِ إلى حضيضِ الوشايةِ، مستعيناً بأقصى ما يمتلكه من فذلكةِ الطهاةِ الدهاةِ، وهُمْ يُولِمُونَ بأقربِ من يَحِبّونَ في مائدة أقصى مَنْ يَرهَبُونْ. ورُويَ عمَنْ جاوَرَ موضع المتلمس في تلك الوقفة، أنه سَمعَ ما يُشبُه صوتَ زُجاجٍ يتهشَّمُ، صادرٍ عن جسد المتلمس ويتحَرك حوله، في حَتٍّ وفي شظايا، وأن صَريراً انبثقَ لحظتها من أعطافِه، يُضاهي صريخَ الكواحلِ منحولةً بفعل صليلِ أصفادٍ باهظةٍ حول العظام البشرية، وقيل إنَّ بعضَهم سَمِعَ المتلمس يكتمُ صوتاً غريباً هو مزيجٌ من النحيب والتضرَّع، فيما يُخرِجُ رقعةً مُهَـلْهَـلةً من ثنايا قفطانه ويرفعها في فضاء الأحداق المترقبة، كمن ينشر أرشيفاً حائلَ اللون والطبيعة، متوجهاً بجماع حضوره إلى الملك:
«مولاي، لا أعرف كيف تكترثون بشاعرٍ مثله كل هذا الوقت، وهو الذي قالَ فيكم وفي آلِكم ما تمنعني الخشيةُ من مجرد ذكره في حضرتكم».
فهبَّ الملكُ ناهضاً في تخته:
«لا تخفْ. أخبرنا بما لديك، فالكلامُ كلُه مهما ارتفع لا يصلُ إلى كعبِ هذا العرش».
انتفضَ جسدُ المتلمس برهةً، وأغمضَ عينيه وهو ينفصل عن لحظة المكان وحقيقة الأمر. منطلقاً في حالٍ من الهذيان والغفلة:
«انه يا مولاي يُخادِنُ ضدَّكُم الصعاليكَ قراصنةُ البرِّ ويستقوي بهمْ عليكم. ولديَّ في هذه الرقعة ما يمحق القائل».
فاستعاد الملكُ مقعدَه كمن يتحصَّنُ لمواجهة الكلام:
«اقرأ .. ولنسمع».
طفق المتلمس يقرأ كأنه يطلقُ نواحاً يرثي نفسه. مرتعشَ الفرائصِ لفرط الخوف. خوفٌ يتجاوز الملكَ والبلاطَ والجندَ والعسسَ والكوكب برمَّتِه. فخشيةُ الواشينَ في موقف الغدر تتجاوز المكانَ وتعبرُ الزمانْ. راح المتلمس يتلو أمام الملك ورجال البلاط ما تيسَّر له من سورة الغضب التي تنتابُ كلَّ شاعرٍ يشهدُ على الدم في الناس، وهي قصيدة ذاعَ صيتُها في البدوِ والحضرِ.. يهجو فيها طرفةُ عصراً كاملاً ويمدَحُ البحر جميعه.
«مولاي، لا أعرف كيف تكترثون بشاعرٍ مثله كل هذا الوقت، وهو الذي قالَ فيكم وفي آلِكم ما تمنعني الخشيةُ من مجرد ذكره في حضرتكم».
فهبَّ الملكُ ناهضاً في تخته:
«لا تخفْ. أخبرنا بما لديك، فالكلامُ كلُه مهما ارتفع لا يصلُ إلى كعبِ هذا العرش».
انتفضَ جسدُ المتلمس برهةً، وأغمضَ عينيه وهو ينفصل عن لحظة المكان وحقيقة الأمر. منطلقاً في حالٍ من الهذيان والغفلة:
«انه يا مولاي يُخادِنُ ضدَّكُم الصعاليكَ قراصنةُ البرِّ ويستقوي بهمْ عليكم. ولديَّ في هذه الرقعة ما يمحق القائل».
فاستعاد الملكُ مقعدَه كمن يتحصَّنُ لمواجهة الكلام:
«اقرأ .. ولنسمع».
طفق المتلمس يقرأ كأنه يطلقُ نواحاً يرثي نفسه. مرتعشَ الفرائصِ لفرط الخوف. خوفٌ يتجاوز الملكَ والبلاطَ والجندَ والعسسَ والكوكب برمَّتِه. فخشيةُ الواشينَ في موقف الغدر تتجاوز المكانَ وتعبرُ الزمانْ. راح المتلمس يتلو أمام الملك ورجال البلاط ما تيسَّر له من سورة الغضب التي تنتابُ كلَّ شاعرٍ يشهدُ على الدم في الناس، وهي قصيدة ذاعَ صيتُها في البدوِ والحضرِ.. يهجو فيها طرفةُ عصراً كاملاً ويمدَحُ البحر جميعه.
قصة العمل
أغنية «الوشاية»أداها قاسمحداد.
محتوى توثيقي أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.
عن الفنان: قاسم حداد
تعرف على المزيد →
بلد المنشأ:
البحرين
سنة الميلاد:
1948
بداية المسيرة:
1969
شاعر من البحرين (وُلد سنة 1948م). يضم الأرشيف 566 نصاً منسوباً إليه.قاسم حداد (ولد عام 1948م - المحرّق، البحرين) هو شاعر معاصر ترجمت أشعاره إلى عدد من اللغات الأجنبية. في عام 1969، شارك في تأسيس أسرة الأدباء والكتاب في البحرين كما شغل عدداً من المراكز القيادية في إدارتها. تولى رئاسة تحرير مجلة كلمات التي صدرت عام 1987 وهو أحد الأعضاء المؤسسين لفرقة مسرح أوال
المسيرة والإنجازات
وُلد قاسم حداد في مدينة المحرّق عام 1948، تلقّى تعليمه الابتدائي في مدارسها، لم يكمل دراسته الثانوية لظروف اجتماعية وسياسية، عمل في مهن يدوية مختلفة. تلقى تعليمه حتى السنة الثانية ثانوي بمدارس البحرين، في عام 1968، التحق للعمل في المكتبة العامة حتي عام 1975، تعرض للاعتقال السياسي بين عام 1973 وعام 1980 لمدة خمس سنوات. بعد ذلك التحق بالعمل في إدارة الثقافة والفنون بوزارة الإعلام عام 1980. حداد صاحب مقال وقت للكتابة والذي ينشر في عدد من الصحافة العربية أسبوعياً منذ بداية الثمانينات، كما ترجمت أشعاره إلى عدد من اللغات الأجنبية. في نهاية عام 1997، حصل على إجازة التفرغ للعمل الأدبي من طرف وزارة الإعلام.
أعمال أخرى لـ قاسم حداد
تنويه حقوق:
النص الغنائي أعلاه مملوك لأصحاب حقوقه من شعراء وملحّنين وشركات إنتاج، ويُعرض هنا لغرض التوثيق والأرشفة المرجعية.
المادة التحريرية المصاحبة (بطاقة العمل، المعنى، القراءة، القصة، المصادر، نبذة الفنان) من إعداد فريق الموقع.
أصحاب الحقوق يمكنهم تقديم طلب إزالة عبر هذا النموذج.