أسائقها للبين وهو عجول

أسامة بن منقذ

(28) مشاهدة


بطاقة العمل
غلاف ألبوم أسامة بن منقذ
سنة الإصدار: 1131م
النوع: شعبي
المقام: عجم
كلمات «أسائقها للبين وهو عجول» للشاعر أسامة بن منقذ كاملةً ومكتوبة — ضمن أرشيف الكلمات العربية.
مقدمة تحريرية عن العمل — من إعداد أرشيف aama.sa.

كلمات أغنية «أسائقها للبين وهو عجول»

أسائقَها للبينِ وهوَ عَجولُ
تَأَنَّ فَما هَذا المسيرُ قُفولُ
وقل لي فإنَّ المُستهامَ سَئُولُ
لِمَنْ طالعاتٌ في السّرابِ أُفولُ
يقوِّمُها الحادونَ وَهْيَ تَميلُ
تَجانَفْنَ عَنْ وَعْثِ الطّريقِ وسَهْلِهِ
وأَعْرَضْنَ عن خِصْبِ المَرادِ ومَحْلِهِ
فَهُنَّ على جَوْر الغَرامِ وعَدْلِهِ
نَواصلُ من جَوٍّ خَوائضُ مثلِهِ
صُعودٌ على حكمِ الطّريقِ نُزولُ
إذا أجْفَلَتْ في البيدِ جُفْلَ نَعامِها
كأنَّ أفاعي الرّمْلِ ثِنْيُ زِمامِها
ثَنَتْ لِيتَها نَحو الصَّبا وانتسامِها
هَواها وَراها والسُّرى عَن أَمامِها
فهنَّ صَحيحاتُ النَّواظر حُولُ
بِها مثلُ ما بالظاعِنينَ كآبةٌ
وصبرُهُما بعدَ الفراق خِلابةٌ
وللشّوقِ منها ما دعاها إِجابةٌ
تَضاغى وفي فَرْطِ التّضاغي صَبابةٌ
وتَرغو وفي طولِ الرُّغاءِ غَليلُ
أَهلّةُ بيدٍ والأَهِلَّةُ فَوْقَها
إذا لَمَحَتْ أجْبالَ سَلمى ورَوْقَها
كفى شوقُها شلَّ الحُداة وسَوْقَها
تُرادُ على نجدٍ ويَجْذِبُ شَوْقَها
مَظَلٌّ عِراقيُّ الثَّرى ومَقيلُ
أَلا قَلَّما تصفو مع البينِ عيشةٌ
وفي الشّوْقِ للنّائي هُمومٌ مُطيشةٌ
ولو أنّ أوطانَ المُفارِقِ بِيشَةٌ
وما جَهِلَتْ أن العراقَ معيشةٌ
وروضٌ تُربِّيهِ صَباً وقَبولُ
وفي الرَّكبِ مسلوبُ العزاءِ فقيدُهُ
يزيدُ إذا هبَّ النَّسيمُ وَقُودُهُ
وما كلُّ أسبابِ الغَرامِ تقودُهُ
ولكنَّ سِحراً بابِليّاً عُقودُهُ
تُحَلَّلُ ألبابٌ بهِ وعُقولُ
وقد حَمَلَتْ لَدْنَ القوامِ رشيقَهُ
حكى المسكُ فاهُ والمُدامةُ ريقَهُ
فأضحى بها نائِي المحلِّ سحيقَهُ
نجائبُ إنْ ضلَّ الحِمامُ طريقَهُ
إلى أَنْفُسِ العُشّاقِ فَهْيَ دَليلُ
وإنّي لأَشْكو مِنْ فراقِكَ هَزّةً
ورَوْعَةَ شَوْقٍ للحَشا مُسْتَفِزّةً
وقَدْ وَقَرَتْ في القلبِ عيسُكَ حَزّةً
حملْنَ وُجوهاً في الخدورِ أَعزَّةً
وكلُّ عزيزٍ يومَ رُحْنَ ذَليلُ
كَتَمْتُ هَوى ظَمياءَ كِتمانَ مُعْلِنِ
ونَهْنَهْتُ دمعاً عاصياً غير مُذْعِنِ
وقَدْ قالت الأظعانُ للسَّلوةِ اظعَني
قسَمْنَ العُقولَ في السُّتورِ بأعينِ
قواتلَ لا يُودى لَهُنَّ قَتيلُ
محبٌّ إذا ما اللّيلُ غارَت نجومُهُ
تأوَّبَه بثُّ الهَوى وهمومُهُ
وفي الخِدرِ بدرٌ آفِلٌ لا يَريمُهُ
وفيهنَّ حاجاتٌ ودَيْنٌ غريمُهُ
مَليٌّ ولكنَّ الملولَ مَطُولُ
لُبَانةُ نفسٍ مستمرٍّ عناؤُها
عياءٌ على مرِّ الليالي دواؤُها
قَضى حبُّها ألاّ يصابَ شِفاؤُها
يَخِفُّ على أهلِ القِبابِ قضاؤُها
لَنا وهيَ مَنٌّ في الرِّقابِ ثقيلُ
وَقَفْتُ على ربعٍ لظمياءَ أقفرا
سقتْهُ دُموعي ما أراضَ ونوَّرا
فقلتُ لخدنَيَّ الخلِيّيْنِ أَعْذِرا
أبى الرّكبُ بالبيضاءِ إلاّ تنَكُّرا
وقد تُعْرَفُ الآثارُ وهي مُحولُ
سَأَلْتُ سَيالات الحمى فَتَمايَلَت
كمُوحَدَةٍ من جيرَةٍ قد تَزايَلَتْ
ففاضَتْ دموعٌ كالغُروبِ تَساجَلَتْ
ولمَّا وقَفْنا بالدّيارِ تَشاكَلَتْ
جُسومٌ بَراهُنَّ البِلَى وطُلُولُ
دعانا الهَوى واستوقَفَتْنا المَعارِفُ
وأَدَمى الحَشا والشَّوقُ للكَلْمِ قارِفُ
حمائمُ وُرُقٍ في الغصونِ هواتفُ
فباكٍ بداءٍ بينَ جَنْبيهِ عارفُ
وباكٍ بما جرَّ الفِراقُ جَهولُ
نَعَمْ هذهِ الأطْلالُ قَفْرٌ فَأَرْبعِ
وجَدّدْ بِها عَهْدَ المَشوقِ المودِّعِ
سأَسْقي ثَراها الرِّيَّ من سُحْبِ أَدْمُعي
وأسألُ عن ظمياءَ صمَّاءَ لا تَعي
فأرضى بما قالَتْ ولَيْسَ تَقولُ
تُصَدِّقُ ظمياءَ العَذولَ إذا افْتَرى
وأُكَذِّبُ سَمْعي في هَواها وما أَرى
وأَقْنَعُ منها بالخَيالِ إذا سَرى
ويُعْجِبُني منها بُزخْرُفِها الكَرى
دُنُوٌّ إلى طولِ البِعادِ يَؤولُ
مَلِلْتِ فَما تُدْني إليكِ شَفاعَةٌ
وعندَكِ للواشينَ سمْعٌ وطاعةٌ
وحفظُ عهودِ الغادِرينَ إضاعةٌ
وما أنتِ يا ظمياءُ إلاّ يَراعَةٌ
تَميلُ مع الأَرْواحِ حيثُ تَميلُ
لأنْتِ لِنَفْسي داؤُها ودَواؤُها
وراحَتُها لَوْ نِلْتُها وشِفاؤُها
إذا بِنْتِ ضاقَتْ أرضُها وسماؤُها
فإنْ كان سؤلاً للنّفوسِ بلاؤُها
فإنّكِ للْبَلْوَى وإنَّك سُولُ
تَوَهمٌ ما أراني الدَّهرُ أمْ حُلُمُ
وصَبْوَةٌ كلُّ هذا الوجدِ أمْ لَمَمُ
أحببتُ قوماً وإفراطُ الهَوى نَدَمُ
ولَّوُا فَلَما رجوْنا عدلَهم ظلموا
فليتَهم حكموا فينا بِما علِموا
ساوَى حُضورَهُمُ عِندي مغيبهُمُ
وصنتُهم فيهما عَمّا يَعيبُهمُ
ومُنذُ قالَ الوَرى هذا حبيبُهمُ
ما مرَّ يوماً بفكري ما يَريبُهمُ
ولا سَعَتْ بي إلى ما ساءَهُمْ قَدَمُ
كَمْ رُضْتُ نفسيَ بالسُّلوانِ فامتَنَعَتْ
وكَمْ أضاعوا مواثيقَ الهَوى ورعَتْ
فما نقمتُ عليهمْ غَدَرةً فَضَعَتْ
ولا أضَعْتُ لهم عهداً ولا اطَّلَعَتْ
على وَدائِعِهِمْ في صَدْريَ التُّهَمُ
مِنْ فَرْطِ وجدي بِهمْ أحبَبْتُ غَدْرَهُمُ
واللّومُ فيهم لسَمْعي مِنهُ ذِكْرهُمُ
وصنْتُ حتّى عن الأوْهامِ سِرَّهُمُ
فليتَ شِعري بِما استَوْجَبْتُ هَجْرَهُمُ
مَلّوا فَصَدّهُمُ عن وَصْلَيَ السّأَمُ
ما صَرَّحوا لي بأسبابِ القِلى وكَنَوْا
إلاّ وَقال الهَوى مَهْلاً سواكَ عَنَوْا
وكُلّما أَهْمَلوا حِفْظَ الهَوى وَوَنَوا
حَفِظْتُ ما ضيّعوا أَغْضَيْتُ حين جنَوْا
وَفَيْتُ إذ غَدَرُوا واصَلْتُ إذ صَرَموا
كَمْ قَدْ سَعَيْتُ حريصاً في مُرادِهِمُ
وكَمْ رَعَيْتُ هَواهُمْ في بِعادِهِمُ
فَحينَ أصبَحْتُ طَوْعاً في قِيادِهمُ
حُرِمْتُ ما كنْتُ أرْجو من وِدادِهِمُ
ما الرِّزقُ إلاّ الذي تجري بهِ القِسَمُ
أوْطَنْتُهم خِلْبَ قَلبي دونَ مَوْطِنِهِم
فأحْرَجوا بِالتَجنّي رَحْبَ مَسْكَنِهِم
حَتّى لعنْد مُسيئيهِم ومُحسنهِم
مَحاسِني مُنْذُ مَلّوني بِأعيُنِهِمِ
قَذىً وذكْري في آذانِهِم صَمَمُ
هُم أباحوا الضَّنى جِسْمي وكانَ حِمى
وأمْطروا مُقْلَتِي بعدَ الدُّموعِ دَمَا
ومَا رَعَوا في الهَوى عَهْداً ولا ذِمَمَا
وبعدُ لو قيلَ لي ماذا تُحِبُّ وما
مُناكَ من زينةِ الدّنيا لَقُلْتُ هُمُ
راعُوا فُؤادي بالهِجرانِ حينَ أمِنْ
وكانَ بالوصْلِ منهُم لَوْ رَعَوْه قَمِنْ
ولَوْ تعوَّضَ عنهُم بالشّباب غُبِنْ
هُمُ مجالُ الكَرى من مُقْلَتَيَّ ومِنْ
قَلبي محلُّ المُنى جاروا أو اجْتَرَموا
لَمْ يَتْرُكِ الوَجْدُ لي في غيرِهمْ أَمَلا
ولَم أُطِعْ فيهِمْ نُصْحاً ولا عَذَلا
وبعدَ ما أشعروني في الهَوى خَبَلا
تبدّلوا بي ولا أبغي بِهم بَدَلا
حَسْبي بهم أَنصفوا في الحُكمِ أوْ ظَلَموا
فَقُلْ لساري الدُّجى تهديه ظُلْمَتُهُ
واللّيلُ كالبحرِ تعلو الأرضَ جُمّتُهُ
تُغْري الفَلا والدُّجى والهولَ عزْمَتُهُ
يا راكِباً تقطَعُ البيداءَ هِمُّتُهُ
والعيسُ تعجِزُ عمَّا تدركُ الهِممُ
إذا وصلتَ وقاكَ اللهُ مَهلكَةً
وذادَ عنكَ الرَّدى إن خُضتَ مَعركةً
فَما سلمتَ فقدْ مُلِّكْتَ مملكَةً
بلّغْ أَميري معينَ الدّين مَأْلُكَةً
منْ نازحِ الدّار لكنْ وُدُّهُ أَمَمُ
لَمّا وَليتَ الرّعايا سُرَّ كلُّ ولي
وسُسْتَهُم بالتُّقى في القولِ والعَملِ
تُمْضي القضايا بِلا حَيْفٍ ولا زَلَلِ
وأنتَ أعدلُ من يُشكى إليهِ ولي
شَكِيَّةٌ أنتَ فيها الخصْمُ والحَكَمُ
فاسمَعْ قضيّةَ مَأخوٍذ بخُلَّتِهِ
وفاؤُه لكَ أرْداهُ بغُلَّتِهِ
ولَمْ يكُن عالماً في طِبِّ عِلَّتِهِ
هَلْ في القضيّةِ يا مَنْ فضلُ دولتِهِ
وعدلُ سيرتِهِ بينَ الوَرى عَلَمُ
أمْ في كريمِ السَّجايا وهيَ قَدْ فُقِدَتْ
أمْ في العُلا وهي بالعُدوانِ قد عُدمَتْ
وساءَها فَلَحتْ من بعد ما حَمِدَتْ
تَضييعُ واجِب حقِّي بعد ما شهِدتْ
به النّصيحةُ والإخلاصُ والخِدَمُ
يا لهفَ نفسي ولهفٌ طالَما شَفَتِ
لم تُغنِ عنّي تجاريبي ومعرِفَتي
حتى اغتررْتُ بآمالٍ مزَخْرَفَةِ
وما ظننتُكَ تنسى حقَّ معرفتي
إنّ المعارِفَ في أهلِ النُّهى ذِمَمُ
يا مَنْ إذا استأذَنَ السّاعي عَلَيه أَذِنْ
إِذا الغَديرُ أقامَ الماءُ فيهِ أجِنْ
وَلَمْ يطلُ مكثُ ميثاقي فكيف أَسِنْ
ولا اعتقدتُ الذي بيني وبينَك مِنْ
وُدٍّ وإنْ أجلبَ الأعداءُ يَنْصَرِمُ
وكم رَماني العِدا بَغياً بِإفكِهِمُ
فلَمْ أَرقَّ ولم أفرَقْ لبَغْيِهِمُ
وكم سَعَوْا بي فلَمْ أحفِل بسعْيِهِمُ
لكنْ ثِقاتُكُ ما زالوا بغشِّهِمُ
حتّى استوتْ عندكَ الأنوارُ والظُّلَمُ
ما كان أبعَدَهُم فهماً وأجهَلَهُمْ
مالوا ومالَوْا عَلى من كانَ مَوَّلَهُمْ
وقبلَهُ خَوَلا كانوا فخَوَّلَهُم
باعوكَ بالبَخسِ يرجون الغنى ولَهُمْ
لو أنَّهم عَدِموكَ الويلُ والعَدَمُ
كيفَ اغتررتَ بِهِمْ فيما أَمَرْتَهُمُ
حتى كأنَّك يوماً ما خبرتَهُمُ
وغورُهمْ كان يبدو لو سَبَرتَهُمُ
واللهِ ما نصحوا لمَّا استشرتَهُمُ
وكلُّهم ذو هوىً في الرأيِ متَّهَمُ
كان التحاملُ منهمْ في إشارَتِهِم
والنّقصُ في دينِهم أو في عِبارتِهِم
وكلُّ ذلكَ نوعٌ من تجارتِهِم
كم حرَّفوا من مقالٍ في سِفارتِهم
وكم سَعَوْا بفسادٍ ضلُّ سعيُهُمُ
قالوا الأميرُ وفيٌّ بالعهودِ فلُذْ
بِذي الحميَّةِ إن خَطْبٌ ألمَ وعُذْ
والوصفُ في السمعِ قبلَ الامتحانِ يَلَذّ
أين الحميّةُ والنّفسُ الأبيّةُ إذْ
ساموكَ خُطَّةَ خسفٍ عارُها يصِمُ
لمَّا رأيتَ لصَرفِ الدّهرِ واعِظةً
للخيرِ والشَّرِّ ما تَنفكُّ حافظةً
حتى تَشيعَ سماعاً أو ملاحظَةً
هلاّ أنِفْتَ حياءً أو محافظةً
من فعلِ ما أنكرَتْهُ العُربُ والعجمُ
أتيتَ فينا وما اقتادتْكَ مَوجِدةٌ
إساءةً هي للإحسانِ مُفسِدَةٌ
أغربْتَ فيها فجاءَت وهي مُفردةٌ
أسلمتَنا وسيوفُ الهند مغمَدةٌ
ولم يُروِّ سِنانَ السمهرِيِّ دَمُ
ما شُبتُ حُسنَ ظُنوني فيكَ بالتُّهَمِ
ولم تَمُرَّ بِفِكْري خَجلةُ النَّدمِ
وأنَّ إفك الأَعادي مُخْفِرٌ ذمَمي
وكنتُ أَحسَبُ مَن والاكَ في حَرمٍ
لا يَعتريه به شَيْبٌ ولا هَرَمُ
يأوي إلى حُسن عهدٍ مِنكَ ما ابتُذِلا
ولا ابْتَغى بصديقٍ صادِقٍ بَدَلا
ولا رأَى الخِلُّ منه ساعةً مَلَلا
وأَنَّ جارَك جارٌ للسموءَلِ لا
يَخشى الأعادي ولا تَغتالُه النِّقَمُ
إساءةً جئتَها واللهُ يغفُرهَا
يُذيعُها الدَّهرُ في الدّنيا وينشُرُها
والخلقُ أجمعُ يأباها ويُنْكِرها
هبنا جَنَينا ذُنوباً لا يُكَفِّرُها
عُذْرٌ فماذا جَنى الأطفالُ والحُرُمُ
ما زلتَ في كلِّ حالٍ مُحسناً وَرِعَا
ترى الإساءةَ في وجهِ العُلا طَبَعا
لكنَّ فِعلَك فيهم جاءَ مُبتَدَعا
ألقَيتَهم في يدِ الإفرنج مُتَّبِعا
رضا عِداً يُسخِطُ الرحمنَ فِعلُهُمُ
أَخفى الهوى عَنك بعد الكشفِ أمرَهُمُ
حتّى لأنكرتَ يا مَخدوعُ مكرَهُمُ
وسوفَ تَعرِفُ بعد الفَوتِ غَدرهُمُ
همُ الأعادي وقاكَ اللهُ شرَّهُمُ
وهُم بزعمِهِمُ الأعوانُ والخدَمُ
ما أنصفوكَ أتَوْا ما لستَ تَجهلَهُ
وما استَقَلّوا بعبءٍ أنت تحمِلُهُ
وخالفوا كلَّ خيرٍ كنتَ تَفعلُهُ
إذا نهضتَ إلى مجدٍ تُؤثِّلُهُ
تَقاعدوا فإذا شيَّدتَهُ هَدَموا
صَدَّقْتَهمْ وعهودُ القومِ كاذبةٌ
وكلّ أحلامِهم في الغدرِ عازِبةٌ
لغيرِ دولتِكَ الغرّاءِ طالِبَةٌ
وإن عَرَتكَ من الأيّامِ نائبةٌ
فكلُّهم للَّذي يُبكيكَ مُبتَسِمُ
ضَلالَةٌ قد أظلّتهُم غَوايتُها
ودولَةٌ رُفعت بِالغدْرِ رايَتُها
دَنت لِكُفرانِها النُّعمى نِهايَتُها
حتى إذا ما انجلَت عَنهُمْ غَيابَتُها
بِحِدِّ عَزمكَ وهو الصَّارِمُ الخَذِمُ
وأصبحوا في نعيمٍ ما له خَطرُ
ما يعتري عَيشَهم بؤسٌ ولا ضَررُ
ولم يَرُعَ سَرحَهُم خوفٌ ولا حَذَرُ
رَشفتَ آجنَ عيشٍ كلُّه كدَرٌ
وَوِرْدُهم من نداك السلسَلُ الشَّبِمُ
أحلَتَهُمْ غَلطاً أعلى ذرى الأُفُقِ
فلم يَرَوْا حقَّ تلكَ الأنعُمِ الدُّفُقِ
وعامَلوكَ بِغِشِّ الغِلِّ والمَلَقِ
وإن أتاهُم بقَولٍ عنكَ مُختَلَقِ
واشٍ فَذاك الذي يُحبى ويُحتَرَمُ
أَخفَوْا من الغِلِّ ما أخفَوْهُ ثمَّ عَلَنْ
وأضمَروا مِحناً مِن غِشِّهم وإحَنْ
وأنكروا نِعَماً طوَّقْتَهُم ومِنَنْ
وكلُّ مَن مِلْتَ عنهُ قرَّبوهُ مَنْ
والاك فَهو الذي يُقصى ويُهْتَضَمُ
ما زلتَ في وُدِّهم تَجري على سَنَنِ
وهمْ عِداك فيا لله للغَبنِ
أعوانُ عادِيةِ الأيّامِ والزّمنِ
بغياً وكُفراً لِمَا أوليتَ من مِنَنِ
ومَرتَعُ البغيِ لولا جَهلُهم وِخِمُ
أَخفيتَ بادي مَساويهم لِتَسْتُرَهُمْ
ولو كشفتَهُمُ لم ترض مَكسِرَهُمْ
فاكشِفْ ببحثِك ما أخفَوْا لتُنكرَهُمْ
جرِّبهُمُ مثل تجريبي لتَخْبُرَهُمْ
فلِلرّجالِ إذا ما جُرّبوا قِيَمُ
ما زلتُ مُذْ كنتُ في عينِ العَدوِّ قَذى
يَرى محلِّيَ فَوق النَّجمِ مُنتَبِذا
فسلهمُ بي تَزِدهُم مِن جَوىً وأَذى
هل فيهِمُ رجلٌ يُغني غَنايَ إِذا
جلَّى الحوادِثَ حدُّ السَّيف والقَلَمُ
أم فيهِمُ من يُجلِّي حِندِسَ الشَّبَهِ
بِعَزمِ أروعَ مِدراكٍ لِمَطْلَبِهِ
ماضٍ على الهَولِ مُستوطٍ لمَركَبِهِ
أم فيهمُ مَن لَه في الخَطبِ ضاق به
ذَرعُ الرجالِ يدٌ يسطو بها وفَمُ
عرفتَ غِشَّهُمُ في السِّرِّ والعَلَنِ
وأنَّ نِيَّاتِهم ملأى مِن الدَّرَنِ
ولم تَزل عاكِفاً منهم على وَثَنِ
لكنَّ رأيَكَ أدناهُم وأبعَدني
فليتَ أَنَّا بِقدرِ الحُبِّ نَقْتَسِمُ
لمَّا خَلَطْتَ يَقينَ الوُدِّ بالشَّبَهِ
رَعيتَ عَهدي بطَرفٍ غَيرِ مُنتَبِهِ
ومِلتَ بالوُدِّ عن مَلْحوبِ مَذْهَبِهِ
وما سَخِطتُ بِعادي إذْ رضيتَ بِه
ولا لجُرحٍ إذا أرضاكُمُ أَلَمُ
لا تَحسبَنَّ الرّزايا ضَعْضَعَتْ جَلَدي
ولا النّوى عن دمشقٍ فَتَّ في عَضُدي
أنَّى ثَوى اللَّيْثُ فَهو الخِيْسُ للأسَدِ
ولستُ آسَى على التَّرحالِ عن بَلد
شُهْبُ البُزاةِ سواءٌ فيه والرَّخَمُ
أقولُ إذ فاتَ حَزمي عزَمَةُ الرّشَدِ
وقد بَدا ليَ ما لم يَجرِ في خَلَدي
لله درُّكَ لولا الغَبْنُ من بَلَدِ
تعلَّقَتْ بِحبالِ الشَمسِ مِنهُ يَدي
ثَمَّ انثَنَتْ وهي صِفرٌ مِلْؤُها نَدَمُ
كم عَزَّني أمَلي فيه وسوَّفَني
وكَم وثِقتُ بميعادٍ فأخْلَفَني
حتى تَلاشى رجائِي فيهِ ثمَّ فَنِي
لَكِنْ فِراقُكَ آسانِي وآسفَنِي
فَفي الجوانِح نارٌ منه تَضْطَرِمُ
ومثلَ وجدِي لبُعدِي عنكَ لم أَجِدِ
وكَم شَجِيتُ بتَرحَالٍ ومُفْتَقَدِ
فَما تنكّر لِي صبْرِي ولا جَلَدِي
فاسلَم فما عِشتَ لي فالدَّهرُ طَوْعُ يَدِي
وكلُّ ما نَالَنِي من بُؤسِهِ نِعَمُ

قراءة في كلمات الأغنية

شهرة أسامة نثرية أكثر منها شعرية، و«كتاب الاعتبار» هو السبب: كتاب لا يشبه كتب زمنه، يروي فيه حوادث حياته بلا تنميق ولا وعظ، ويصف الفرنجة وصف من عاشرهم وتاجرهم وعالجهم وسخر من طبّهم. وفي شعره يظهر الرجل نفسه: مباشر، قليل التكلّف، يكتب عن الجسد حين يخون صاحبه وعن السيف حين تعجز عنه اليد. وهذا الصدق غير المزوّق هو ما يجعل قارئه اليوم يشعر أنه يسمع رجلاً لا نصّاً.
تحليل تحريري أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.

قصة العمل

عاش أسامة بن منقذ قرناً كاملاً من الحروب الصليبية شاهداً ومشاركاً: خدم الزنكيين ونور الدين وصلاح الدين، وأقام في القاهرة الفاطمية، وقاتل وتفاوض وصاد وكتب. ثم وقع ما لم تُصلحه له سنوه الطويلة: في سنة 1157م ضرب زلزال قلعة شيزر وهو غائب عنها، فطمر أهله جميعاً في ليلة واحدة — بيته وأسرته وذاكرته المادّية كلها. فكتب بعدها شعر رجل بقي وحده، وصار موضوعه الأثير هو الشيخوخة: أن تعمّر حتى ترى كلّ من عرفتَ قد سبقك.
محتوى توثيقي أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.

معلومات ومفارقات

أورد أسامة في مذكّراته مشاهداته عن طبّ الفرنجة ساخراً، فصارت تلك الصفحات من أشهر ما يُقتبس في كتب تاريخ الطبّ والحروب الصليبية. وقد جاوز التسعين وهو يكتب، ومن كتبه أيضاً «كتاب العصا» و«لباب الآداب» و«البديع في نقد الشعر»، وله في الصيد كتاب يعكس شغف الأمير الفارس أكثر ممّا يعكس الأديب.
معلومات توثيقية مختارة من إعداد أرشيف aama.sa.
أسامة بن منقذ
بلد المنشأ: سوريا
سنة الميلاد: 1095
سنة الوفاة: 1188م
بداية المسيرة: 1131م
أبو المُظَفَّر أسامةُ بنُ مرشِد بنِ عليّ بنِ مقلَّد بنِ نصر بنِ مُنقِذ الكِنانيُّ الكلبيُّ الشَّيْزَرِيُّ (488هـ/1095م - 584هـ/1188م) المُلَقَّبُ بـ«مؤيِّدِ الدولة» و«مجدِ الدين». أمير وفارس من بني منقذ، وشاعر أديب ومؤرخ مسلم. عاصر الحروب الصليبية منذ أيامها الأولى، وعُمِّرَ حتى بلغَ عمرُه ستّاً وَتِسْعين سنةً، عاصر فيها سقوطَ عدةِ إماراتٍ إسلاميةٍ وظهورَ غيرِها، وخاض حروباً كثيرةً ضد الصليبيين، وقاد بعضها بنفسه. كما كان أسامةُ شاعراً أديباً، اشتُهر شعرُه وشاعَ في حياته وبعد موته. قال مُعاصرُه ابن عساكر: «له يدٌ بيضاءُ في الأدبِ والكتابةِ والشعرِ». وذَكَرَ أبو شامة المقدسي أن صلاح الدين الأيوبي كان شديدَ الإعجابِ بشِعره، «وَهُوَ لشغفه بِهِ يُفَضِّلُه على جَمِيع الدوّاوين».
المسيرة والإنجازات
هو أسامة بن مرشد بن علي بن مقلَّد بن نصر بن منقذ بن محمد بن منقذ بن نصر بن هاشم بن سوار بن زياد بن زغيب بن مكحول بن عمرو بن الحارث بن عامر بن مالك بن أبي مالك بن عوف بن كنانة بن بكر بن عُذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. ويُكنى أبا المظفر، ويُلقَّب مؤيّد الدولة مجد الدين.رسمٌ تخيُّليّ يُصوِّرُ أُسامة بن مُنقذ.وأسرته «بنو منقذ» أسرة عربية مشهورة بالعلم والأدب والفروسية، يقول العماد الكاتب في خريدة القصر وجريدة العصر: «كانوا [بنو منقذ] من أهل بيت المجد والحسب، والفضل والأدب، والحماسة والسماحة، والحصافة والفصاحة، والفروسية والفراسة، والإمارة والرئاسة، اجتمعت فيهم أسبابُ السيادة، ولاحت من أساريرهم وسيرهم أماراتُ السعادة، يُخلِفون المجد أولاً لآخر، ويَرِثون الفضلَ كابراً عن كابر، أما الأدب فهم شموعه المشرقة، ورياضه المونقة، وحياضه المغدقة، وأما النظم فهم فرسان ميدانه، وشجعان فرسانه، وأرواح جثمانه. قال مجد العرب العامري بأصفهان سنة نيفٍ وأربعين وخمسمئة وهو يثني عليهم، ويثني عنان مجده إليهم: «أقمت في جنابهم مدة، واتخذتهم في الخطوب جُنَّة، وللأمور عُدة، ولم ألقَ في جوارهم جوراً ولا شدة». وممدوحه منهم الأمير عماد الدولة أبو العساكر سلطان بن علي بن مقلد بن منقذ، وما زالوا مالكي شيزر ومعتصمين بحصانتها، ممتنعين بمناعتها، حتى جاءت الزلزلة في سنة نيفٍ وخمسين (552هـ) فخربت حصنها، وأذهبت حسنها».

عن الشاعر: أسامة بن منقذ

أبو المُظَفَّر أسامةُ بنُ مرشِد بنِ عليّ بنِ مقلَّد بنِ نصر بنِ مُنقِذ الكِنانيُّ الكلبيُّ الشَّيْزَرِيُّ (488هـ/1095م - 584هـ/1188م) المُلَقَّبُ بـ«مؤيِّدِ الدولة» و«مجدِ الدين». أمير وفارس من بني منقذ، وشاعر أديب ومؤرخ مسلم. عاصر الحروب الصليبية منذ أيامها الأولى، وعُمِّرَ حتى …
المزيد من أعماله ←

أعمال أخرى لـ أسامة بن منقذ

تنويه حقوق: النص الغنائي أعلاه مملوك لأصحاب حقوقه من شعراء وملحّنين وشركات إنتاج، ويُعرض هنا لغرض التوثيق والأرشفة المرجعية. المادة التحريرية المصاحبة (بطاقة العمل، المعنى، القراءة، القصة، المصادر، نبذة الفنان) من إعداد فريق الموقع. أصحاب الحقوق يمكنهم تقديم طلب إزالة عبر هذا النموذج.
تصحيح الكلمات