أتجهل قدر بشر إن بشرا

إلياس أبو شبكة

(41) مشاهدة


«أتجهل قدر بشر إن بشرا» — إلياس أبو شبكة: النص الكامل مكتوباً وواضحاً للقراءة.
مقدمة تحريرية عن العمل — من إعداد أرشيف aama.sa.

كلمات أغنية «أتجهل قدر بشر إن بشرا»

أَتَجهَلُ قَدرَ بِشرٍ إِنَّ بِشرا
لَأَرفَعُ مِنكَ في الناسوتِ قَدرا
نَما بَينَ الأَباعِرِ في البَراري
وَغَيرَ الكَهفِ لَم يَعرِف مَقَرّا
ولكِن حَلَّ في بُردَيهِ وَحيٌ
كَفاكَ تَفاخُراً وَكَفاهُ فَخرا
وَهَل في بُردَتَيكَ سِوى دَعِييٍّ
تَسَوَّدَ في القَبيلَةِ حينَ أَثرى
رَأَت بِشراً عَجوزٌ ذاتَ يَومٍ
وَقَد حَزَرَت بِهِ وَطَراً وَأَمرا
فَقالَت أَنتَ تَبحَثُ عَن عُروسٍ
وَبِاِبنَةِ عَمِّكَ المِضيافِ أَحرى
فَقالَ لَها وَهَل هِي ذاتُ حُسنٍ
فَقالَت إِنَّها في الحُسنِ بُشرى
لَها شَعرٌ كَأَنَّ اللَيلَ مِنهُ
تَمَنّى البَدرُ فيهِ أَن يَمُرّا
كَأَنَّ ذُؤابَتَيهِ حِبالُ أَسرٍ
تُشَدُّ بِها قُلوبُ العُربِ أَسرى
فَخَفَّ لِعَمِّهِ نَشوانَ جَذلاً
وَكاشَفَهُ فَلاقى مِنهُ زَجرا
فَقالَ لَهُ أَبَيتَ اللَعنَ قُل لي
أَفاطِمَةٌ لِغَيرِ دَمي تُسَرّى
أَتَأباها عَلَيَّ وَمِن ذِراعي
لِآمالِ القَبيلِ عَمِلتُ جِسرا
فَمَن لَكَ في الرَعِيَّةِ غَيرُ بِشرٍ
يَرُدُّ غَوائِلَ الغَزَواتِ حُمرا
وَكَم بِكرٍ وَهَبتُكَ مِن دِمائي
وَتَأبى يا ظَلومُ عَلَيَّ بِكرا
وَهامَ مُشَعَّثَ الأَحلامِ غَيظاً
يُخَرِّبُ تارَةً وَيَعُجُّ أُخرى
وَثارَ عَلى قَبيلَتِهِ بِضُرٍّ
فَكانَ الذِئبَ فَتكاً أَو أَضَرّا
فَضَجَّ بَنو الرَعِيَّةِ مِن أَذاهُ
وَأَوجَسَ عَمُّهُ خَوفاً وَذُعرا
فَقَرَّبَهُ إِلَيهِ وَقَد تَحَرّى
لَهُ شَرَكاً لِيوقِعَ فيهِ ذِمرا
وَقالَ لَهُ إِذا ما كُنتَ شَهماً
أَنِلني مِن خُزاعَةَ مِنكَ مَهرا
فَدَبَّت سورَةُ العَرَبِيِّ فيهِ
وَأَسرَجَ مُهرَهُ حَتّى يَكُرّا
وَجَنَّبَ في حِمالتِهِ جُرازاً
لَهيبُ المَوتِ يَنفُثُ مِنهُ جَمرا
وَكانَ النَجَوُّ مُربَدّاً رَهيباً
كَاَنَّ مِنَ الجَحيمِ عَلَيهِ سِترا
فَسامَرَهُ حَفيفُ الغابِ حيناً
وَحيناً سامَرَتهُ طُيوفُ ذِكرى
وَفيما بِشرُ يَطوي البيدَ طَيّاً
وَيَنشُرُها عَلى الامالِ نَشرا
إِذا بِالمُهرِ أَجفَلَ وَاِعتَراهُ
جُمودُ دُمىً وَأَحجَمَ وَاِقشَعَرّا
فَأَغمَدَ في الدياجي ناظِرَيهِ
فَأَبصَرَ في ثَناياها هِزَبرا
وَفاضَت نَشوَةً مِن مُقلَتَيهِ
مُشَعشَعَةٌ فَقالَ عُقِرتَ مُهرا
وَحينَ جَذا اِنتَضى السَيفَ المُرَوّى
وَقالَ اِنبُت فَإِنَّكَ لَن تَفِرّا
فَلَستُ بِراجِعٍ يا لَيثُ حَتّى
يَصِرَّ بِكَ الذبابُ الغثّ صَرّا
وَأَقدَمَ مُثبِتَ الأَبصارِ فيهِ
فَكانَ كِلاهُما أَسَداً تَسَرّى
وَكانَ اللَيثُ يَفرَقُ مِنهُ طَوراً
وَيَبسُطُ تارَةً لِلوَثبِ ظُفرا
وَفي أَلحاظِهِ لَهَبٌ غَضوبٌ
يُراشِقُهُ بِهِ شَفعاً وَوِترا
يَنِشُّ بِشِدقِهِ زَبَدٌ حَرورٌ
وَيَنفُثُ صَدرُهُ حُمَماً أَحَرّا
وَضَجَّ الغابُ فَالدُنيا صِراعٌ
تُفَجِّرُ في رُواقِ اللَيلِ حُرّا
وَحينَ رَآهُ أَرسَخَ منهُ بَأساً
تَذَأبَ وَالغَضَنفَرُ كانَ حُرّا
وَأَطلَقَ بِشرُ مُنصَلَهُ عَلَيهِ
فَقَدَّ لَهُ مِنَ الأَضلاعِ عَشرا
وَثارَ الكَونُ ثَورَتَهُ فَأَلقى
عَلى اللَيلِ الحُسامَ فَدارَ فَجرا
وَأَسكَرَ مَشهَدُ الضِرغامِ بِشراً
وَكَم شَرِبَ الدَمَ المُهراقَ خَمرا
فَقَدَّ قَميصَهُ عَنهُ وَأَملى
عَلَيهِ بِالدَمِ المَطولِ شِعرا
أَفاطِمَ لَو شَهِدتِ بِبَطنِ خَبتٍ
وَقَد لاقى الهِزَبرُ أَخاكِ بِشرا
وَوالى سَيرَهُ يَمتَلُّ فيهِ
لِيَبلُغَ مَأرَباً قَد كانَ وَعرا
وَأَنداءُ الصَباحِ تَفوحُ طيباً
وَيَسكُبُها النَسيمُ عَلَيهِ عِطرا
وَفيما الحُبُّ يَنهَبُهُ عَراهُ
فَحيحٌ مَرَّ في أُذُنَيهِ مَرّا
وَأَبصَرَ حَيَّةً طَلَعَت عَلَيهِ
مِنَ الأَدغالِ مِثلَ التُربِ سَمرا
أَذابَ الصُبحُ خَمرَتَهُ عَلَيها
فَمالَت مِن خُمورِ الصُبحِ سَكرى
وَشَعَّت كَالزُجاجِ وَقَد تَلَوَّت
عَلى أَعشابِها بَطناً وَظَهرا
فَقالَ أَخوكِ كانَ عَلَيَّ وِقراً
وَلكِن أَنتِ أَثقَلُ مِنهُ وِقرا
فَهَل بُعِثَت بِهِ روحٌ تَرَدَّت
بِجِلدِ الأَفعوانِ تَرومُ ثَأرا
ولاقاها بِصَدرٍ راضَ صَبراً
وَلاقَتهُ بِصَدرٍ ضاقَ صَبرا
فَكانَت تَنثَني عَنهُ اِغتِيالاً
وَتُنشِبُ رَأسَها لِلفَرسِ غَدرا
تُرى ماذا يَحُلُّ بِنا إِذا ما
أُصيبَ بِنَكبَةٍ اللَهُ أَدرى
فَبِشرٌ مَرجِعُ الفُرسانِ فينا
وَحامينا إِذا الجَوُّ أَكفَهَرّا
بَعَثتُ بِهِ إِلى حَتفٍ ذَميمٍ
كَأَنّي لِلقَبِيلِ حَفَرتُ قَبرا
فَإِن يَسلَم مِنَ الأَسَدِ اِبنِ داذا
فَلَن يَنجو مِنَ الأَفعى طِمِرّا
وَشَمَّرَ لِلِّحاقِ بِهِ وَكانَت
دِماهُ تُثيرُهُ وَالعَينُ شَكرى
عَلى فَرَسٍ كَأَنَّ الجِنَّ تَعدو
بِرِجلَيها فَتَختَفِيانِ سِرحا
وَلَمّا أَدرَكَ اِبنَ أَخيهِ حَيّاً
يَروغُ الوَحشُ مِنهُ جَذا وَخَرّا
وَقالَ اِعدِل عَنِ الأَفعى فَإِنّي
رَأَيتُكَ أَرحَبَ الأَعرابِ صَدرا
لَأَنتَ أَحَقُّ مِن أُمَراءِ قَومي
بِفاطِمَةٍ فَكُن لي ابِناً وَصِهراً
فَأَلهَبتِ الحَماسَةُ كَفَّ بِشرٍ
فَصَعَّدَ سَيفُهُ المَصدورُ جَمرا
وَأَطعَمَ خَصمَهُ يُسرى يَدَيهِ
وَأَجرى المَوتَ مِن يُمناهُ نَهرا
فَقَبَّلَ عَمُّهُ يَدَهُ بِحُبٍّ
وَقالَ أَتَيتُ أَطلُبُ مِنكَ عُذرا
أَلا عُد بي إِلى حَيثُ السَرايا
تُقيمُ لِعُرسِكَ اليَومَ الأَغَرّا
فَقَد شَهِدَت صُخورُ الغابِ يا اِبني
بِأَنَّكَ فارِسُ الأَعرابِ طُرّا
وَعادا وَالغُصونُ تَميلُ تيهاً
كَأَنَّ بِها لِما شَهِدَتهُ سُكرا
وَتَعطِفُ في الطَريقِ عَلى يَدَيهِ
تُقَبِّلُ مِنهُما يُمنى وَيُسرى
وَإِذ كانا يَجوبانِ البَراري
وَيَنثُرُ بِشرُ آيَ الفَخرِ نَثرا
إِذا بِمُلَثَّمِ العَينَينِ نَجدٍ
تَعَرَّضَّ في الطَريقِ لَهُ مُصِرّا
وَقالَ كَفاكَ تَفَخرُ يا عِصاماً
فَفَخرُكَ مَرَّ في أُذُنَيَّ فَجرا
قَتَلتَ بَهيمَةً وَقَتَلتَ سوساً
وَتَملأُ ماضِغَيكَ قَذىً وَنُكرا
فَقالَ وَمَن تَكونُ فَقالَ إِنّي
نَذيرُ المَوتِ جِئتُ إِلَيكَ جَهرا
أَنا دَهرٌ وَأَيّامي سَعيرٌ
إِذا نازَلتَني نازَلتَ دَهرا
وَفي غَضَبٍ تَبَدّى المَوتُ فيهِ
عَلى سَيفَيهِما كَرّاً وَفَرّا
أَصابَ مُلَثَّمُ العَينَينِ بِشراً
فَأَحجَمَ عَنهُ إِخفاقاً وَقَسرا
وَصاحَ بِه أَبَيتَ اللَعنَ فَاِرفَع
لِثامَكَ لا تَظَلَّ عَلَيَّ سِرّا
فَقالَ الخَصمُ وَهوَ يُميطُ سِتراً
أَنا اِبنُكَ فَاِنظُرِ الوَلَدَ الأَبَرّا
فَعاوَدَ بِشرَ تَذكاراتُ عَهدٍ
تَصَرَّمَ تارِكاً في الصَدرِ ذِكرى
وَقَبَّلَهُ وَقالَ أَراكَ يا اِبني
بِفاطِمَةَ اِبنَةِ الأَعمامِ أَحرى

قراءة في كلمات الأغنية

«أفاعي الفردوس» من النصوص القليلة في الشعر العربي الحديث التي يُحسّ فيها خطر حقيقي. فالرومانسية العربية في الغالب رقيقة شاكية، أمّا أبو شبكة فيكتب رومانسية عنيفة فيها إثم وندم وجسد، ويستعمل المادّة التوراتية لا للتزيين بل لبناء عالم أخلاقي كامل يتصارع فيه. وهذا يجعله أقرب إلى بودلير من أقرانه اللبنانيين. ومن هنا موقعه: هو ذروة الرومانسية اللبنانية وحدّها الأخير في وقت واحد، لأنه أوصل شعر الوجدان إلى نهاية لم يكن ممكناً بعدها إلا الانتقال إلى شيء آخر — وهو ما فعله جيل الشعر الحرّ بعده بقليل.
تحليل تحريري أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.

قصة العمل

وُلد أبو شبكة في أميركا حيث كانت أسرته مهاجرة، ثم رجعت به إلى لبنان طفلاً، فنشأ في ذوق مكايل. وكان مشغولاً بصراع لم يهدأ عنده بين الجسد والروح، بين ما يجذبه وما يؤنّبه، فأخرج ذلك في «أفاعي الفردوس»: نصّ قاتم يستعمل قَصص الكتاب المقدّس ورموزه ليقول به عذابه الخاصّ. ثم مات بمرض في الدم سنة 1947 وهو في الرابعة والأربعين، فانقطع صوت كان بعد في اشتداده.
محتوى توثيقي أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.

معلومات ومفارقات

كان على صلة بحركة الأدب اللبناني في الثلاثينيات ونقل من الرومانسيين الفرنسيين إلى العربية. ومات في السنة نفسها التي كانت الحركة الشعرية العربية تتحوّل فيها إلى مسار جديد، فبقي اسمه علامة على ما قبل التحوّل.
معلومات توثيقية مختارة من إعداد أرشيف aama.sa.
إلياس أبو شبكة
بلد المنشأ: الولايات المتحدة
سنة الميلاد: 1903
سنة الوفاة: 1947
يُعتبر إلياس أبو شبكة شاعرة بارزاً من الولايات المتحدة، عاش/عاشت في العصر الحديث والمعاصر، وترك/تركت بصمة واضحة في الأدب العربي من خلال نصوصه الشعرية التي تجمع بين العاطفة والبلاغة. تميّز لها شعر بدقة اللغة وقوة الصورة،
المسيرة والإنجازات
قدّمت إلياس أبو شبكة نصوصاً شعرية غنّاها كثير من المطربين، وتبرز من رصيده الغنائي أعمال مثل: الحب والخمر، آوها، كيف قوضتم بناء القضاء، حلمت بدنيا ليتها لا تبدد، أسمعيني لحن الردى أسمعيني، شاعر الدمع ما جنيت بشيء، ضيعت في هضب الهوى رشدي، يا عنب شكل الدمى، ملقيه بحسنك المأجور، لقد مر بي أمس بالصدفة، أحبك حين أراك تنوحين، أنظروه تروا خيالي فيه، أعشق الصدق لا أقول سوى الحق، لا لقوم ولا لدين، ألا تبصر الأغصان بللها القطر. يعكس هذا الإرث تنوّع اهتماماته الشعرية وقدرته على تجسيد المشاعر الإنسانية بألفاظ بليغة.

أعمال أخرى لـ إلياس أبو شبكة

تنويه حقوق: النص الغنائي أعلاه مملوك لأصحاب حقوقه من شعراء وملحّنين وشركات إنتاج، ويُعرض هنا لغرض التوثيق والأرشفة المرجعية. المادة التحريرية المصاحبة (بطاقة العمل، المعنى، القراءة، القصة، المصادر، نبذة الفنان) من إعداد فريق الموقع. أصحاب الحقوق يمكنهم تقديم طلب إزالة عبر هذا النموذج.
تصحيح الكلمات