أطوف على ذاتي بكاسات خمرتي

عبد الغني النابلسي

(36) مشاهدة


بطاقة العمل
غلاف ألبوم عبد الغني النابلسي
سنة الإصدار: 1055
النوع: شعبي
المقام: عجم
نص «أطوف على ذاتي بكاسات خمرتي» للشاعر عبد الغني النابلسي مكتوباً بالكامل مع إمكانية النسخ والمشاركة.
مقدمة تحريرية عن العمل — من إعداد أرشيف aama.sa.

كلمات أغنية «أطوف على ذاتي بكاسات خمرتي»

أطوف على ذاتي بكاسات خمرتي
وأستمع الألحان في حان حضرتي
وأنفخ مزماري وأصغي لصوته
وأضرب دفي حين ترقص قينتي
وأنشق من روضي نسيم حقائقي
ويسرح طرفي في حدائق نشأتي
وعندي إلى رؤيا جمالي تشوق
كثير وما عشقي لغير حقيقتي
ويالهف أحشاءي على حسني الذي
فؤادي به صب ويا فرط لوعتي
أحن إلى ذاتي صباحاً وفي المسا
وغاية قصدي في العوالم رؤيتي
وقد وعدتني اليوم نفسي بوصلها
غداً فمتى مني تقوم قيامتي
وأرفع عن وجهي خماري مجرداً
ثيابي عن ذاتي وأهتك سترتي
أبى الحب إلا أن أكون مولهاً
بقلب على طول النوى متفتت
وشوق كثيرٌ واصطبار ممنع
وسقم وأشجان علي شديدة
وإني لأرجو من حقيقتي اللقا
وأطلب منها أن أفوز بنظرة
فلا عجب أن بحت بالسر للورى
وعربدت في هذا الوجود بسكرتي
وتهت بمحبوبي على كل ناسك
وغبت عن الأكوان بل عن هويتي
وعندي انتظار كل يوم وليلة
إلى رؤيتي بل كل وقت وساعة
وما أنا إلا من أحب وإن من
أحب أنا من غير شك وشبهة
أردت ظهوري لي وما كنت خافياً
فطورت في الأطوار من كل صورة
وقد كنت قدماً في عمى ليس فوقه
ولا تحته أيضاً هواء بوحدة
وللقلم الأعلى تنزلت من يدي
وللوح حتى للذوات الكثيرة
وقد كنت عرشي واستويت علي من
قديم زماني في الوجود برحمتي
ومنه إلى الكرسي تنزلت بل إلى
سمواتي السبع الطباق العلية
وطورت أملاكي فلي كنت عابداً
وطورت أفلا كي فدارت بقدرتي
وعدت نجوما مشرقات على الورى
أزيد ضياء في ظلام الدجنة
وطورت شمساً في طلوع نهاركم
وما الليل إلا من نتائج غيبتي
وصرت هلالاً تحسبون الشهور بي
وأجلو عليكم ضوء شمس الظهيرة
وقد صرت أياماً لكم وليالياً
ودهراً وساعات وكل دقيقة
وطورت شكل الجان في الأرض قبلكم
وجئت لهم رسلاً لإبلاغ حجتي
وقد كنت تكذيباً لرسلي منهم
فصرت لهم أوفى هلاك ونقمة
وفي كل أطوار الشياطين بينكم
ظهرت بوسواس لأصحاب شقوة
وطورت في شكل العناصر ثم في
مواليدها في الأرض تلك الثلاثة
ففي معدن طوراً وطوراً ظهرت في
نبات وحيوان لتتميم حكمتي
وكنت رياحاً من شمال ومن صبا
أهب فأروى عن حديث الأحبة
وكنت بحاراً زاخرات على المدى
تفيض فتبدي موجة بعد موجة
وطورت أرضا ثم صرت جبالها
لإرسائها فوق البحار المحيطة
وإني على ما كنت فيه ولم أزل
ولي رتبة التنزيه أرفع رتبة
وما كثرة الأطوار مني غيرت
صفاتي ولا ذاتي ولا قدر ذرة
وهل أنت في تخييل ذاتك باطناً
تغيرت عما كنت في كل مرة
فيجلو عليك الفكر ما قد أردت من
زخارف أشباح هنا مستحيلة
وذاك كهذا غير أن الخيال مع
تخيله في الغير لا في الهوية
وما هي إلا أنت لا شيء ههنا
سواك فحقق سر تلك الحقيقة
وإياك والتشبيه في كل موضع
توهمت فيه الغير وافطن للبسة
وخذ كل ما ألقى عليك منزهاً
ولا تخش عاراً إن فهمت إشارتي
وهذا الذي قد قلته كله أنا
ظهرت به لي قاصداً لنصيحتي
ولما انقضت أطوار ذاتي بمقتضى
صفاتي وأسماءي العظام الجليلة
وتم التباسي بالذي أنا مظهر
له من شخوص فصلتها إرادتي
وسويت جسم الكل بي فهو قابل
لروحي وتفصيلي استعد لجملتي
جمعت من الأشياء طينة آدم
ومنها إلى الكل الرقائق مدت
وخمرتها حتى تناسق نشؤها
وسويتها حتى لنفخي استعدت
ولما استتم الأمر واستكمل الذي
أردت من الأجمال في البشرية
ففي تلك من روحي نفخت وقد سرت
نسائم أمري في رياض الطبيعة
فقمت سميعاً باصراً متكلماً
مريداً عليماً ذا حياة وقدرة
فلم يبد مني غير ما هو كائن
لدي وبي مني على حكومتي
فكنت كماء لونه من إنائه
وكالشمس تبدي خضرة بالزجاجة
وأسجدت أملاكي بأمري لمظهري
فكان سجودي لي وآدم قبلتي
ولما أبى إبليس عن تكبراً
ولم يأت لي من بعد أمري بسجدة
عن الملا الأعلى له كنت مخرجاً
وآب بخسران وطرد ولعنة
وأسكنته في الأرض أظهر كامناً
به من شقا أصحاب قبضة يسرتي
وأظهرت في ذاك الملا فضل آدم
وأنزلته أعلى مقام بجنتي
وأخرجت حوا منه فهي له كما
هو الآن لي من حيث وصفي وصورتي
وعن بعض أشجار هناك نهيته
ولي كان مني النهي عني لحكمتي
ولما اقتضى فعلي لما كنت عنه قد
نهيت كمال الصورة الآدمية
أتيت بأقسام إلي موسوساً
وأوقعت نفسي في غرور وغفلة
وذقت كما ذاق العدو تباعدي
وما الأكل إلا الفرق والجمع توبتي
وقد لاح عصياني علي ومذ بدت
طفقت بأوراق أخصف سوءتي
ومن بعد ذا أهبطت للأرض هيكلي
وكنت بها في العالمين خليفتي
وسخرت لي كل الوجود تفضلاً
على صورتي مني وأتممت منتي
وعرفت ما بيني وبيني كلاهما
على عرفات بعد طول التشتت
فكان نكاح الأمر في الخلق ظاهراً
بنا في كلا الشخصين قبل النتيجة
وأظهرت من صلبي جميع مظاهري
بصورة ذر للعهود الوثيقة
وأشهدتهم عني ألست بربكم
فقالوا بلى طراً بنفس مطيعة
وأوهمتهم غيراً فأنكر بعضهم
وأوفي بعهدي بعضهم مع لبسة
وأول أطواري الكاومن أنني
لآدم شيئاً كنت وهو عطيتي
وطورت نوحاً جاء ينذر قومه
وكنت له التكذيب منهم ببعثتي
وألفاً سوى خمسين عاماً لبثت في
جماعتهم أبغي لهم نشر دعوتي
وهم يعبدون الغير بل يعبدونني
ولا غير لكن وهمهم هو سترتي
ولما أبو واستكبروا كافرين بي
دعوت عليهم واستجبت لدعوتي
وأرسلت طوفاناً عليهم فأغرقوا
ولم ينج إلا من معي في سفينتي
وطورت إدريساً ولي كنت رافعاً
مكاناً عليّاً في أجل مكانة
وطورت إبراهيم يدعو إليَّ بي
على قومه آتيته أي حجة
ومذ قال ذا ربي له كنت كوكباً
كذا قمراً أيضاً وشمساً بوجهة
ولا فرق إلا بالأفول ألم تكن
إذا لا أحب الآفلين مقالتي
كما قلت سموهم لقوم تعلقوا
بما قيَّد الإمكان من مطلقيتي
وجئت إلى النمرود أدعوه للهدى
فلم يمتثل حتى ثوى بالبعوضة
وأضرم لي ناراً وأرسلني بها
فعادت بأمري لي علي كجنة
وقد كنت مني طالباً أنني أرى
لحق يقيني كيف إحياء ميتة
فجاء جوابي لي بأربعة فخذ
من الطير واجعل في العلا كل قطعة
وناديهمُ يأتين سعياً وبعد ذا
فكن عالماً لا شيء إلا بقدرتي
وطورت إسماعيل لما بلغت مع
أبي السعي ذبحي قد رأيت بنومة
وناديت لما أسلما حين تلَّه
أصدّقت حتى كان بالكبش فديتي
وطورت إسحق الغيور ولم تكن
على غير تحريم الفواحش غيرتي
وطورت يعقوباً بليت بيوسف
وأسلمني حبي له كل محنة
وفرقت ما بيني زماناً وبينه
وواأسفى ناديت من طول فرقتي
وعيناي من حزن قد ابيضّتا وقد
مننت بجمع الشمل بعد التشتت
ويوسف قد طورت زاد ملاحة
بوجه سبى كل الوجوه المليحة
وبالثمن البخس اشتراني مشتر
وفي الجب ألقتني من الكيد إخوتي
وقد عشقت حسنى زليخاء والهوى
أضر بها حتى هممت وهمت
وطورت هوداً كان يشهد قومه
على أنه من شركهم ذو براءة
ولوطاً لقد طورت أيضاً وصالحاً
أتيت إلى قومي لإبلاغ دعوتي
فزاغوا وعن أمري عتوا وتكبروا
وقد عقروا لما عصوني ناقتي
وطورت موسى ضارب البحر بالعصا
وقد شق حتى قومه فيه مرّت
وآنس ناراً من جوانب طوره
فرام ليأتي الأهل منها بجذوة
فنال الهدى في شكل مقصده وقد
تجلى له من مظهر الأحدية
وقد حاز منه رؤية بسؤاله
ولكنها الأطواد بالصعق دكت
وعيسى لقد طورت يبرئ أكمهاً
وأبرص والأموات يحيي بدعوة
وأرسلت روحي طبق ما هو عادتي
إلى الأم حتى كان مظهر نفختي
وأظهرت ما قد كان في الأب مضمراً
وبينت للأقوام سر الأمومة
فضلوا وزاغوا عن مثال ضربته
لفهم علوم في الوجود دقيقة
وقالوا بأني قد غدوت له أباً
وقد خص من دون الورى ببنوتي
وأين الوجودان اللذان تباينا
وما عزُّ خلاق كذلِّ خليقة
ومن بعد هذا جئت في طور كل ما
مضى من رسول أونبيٍّ لأمة
وأصبحت في شكل النبي محمد
إلى الله أدعو الناس في أرض مكة
فآذتني الأقوام بغياً وحاولوا
بأفواههم إطفاء نور النبوة
وأظهرت دين الحق بعد خفائه
فأصبحت الكفار في سوء حالة
ونكست أصنام الضلال وفي الورى
أزلت ظلام الظلم من فرط سطوتي
وطورت أصحاباً ومن هو تابع
لهم بالهدى مثل الكرام الأئمة
ومن بعد ذا ما زلت أظهر دائماً
على أمد الأزمان في كل هيئة
وطورت أهوال القيامة والذي
يكون غداً في يوم عرض الخليقة
وإياك من قولي بأن تفهم الذي
تدين به الكفار بين البرية
فإني بريء من حلولٍ رمت به
عقول تغذت بالظنون الخبيثة
وما بانحلال واتحاد أدين في
حياتي وإن دانتهما شرُّ أمة
وكل الذي أبديته لك ناظماً
فَمِنْ فوق أطوار العقول السليمة
فإن كنت من أهل المعارف لم تلم
لأنك تلقاه بنفس تزكت
وإن كنت مطموس البصيرة جامداً
على ما ترى من صورة بعد صورة
فإنك معذور بقلة فهم ما
أقول لضعف في قواك الكليلة
فواظب على التنزيه وادأب عليه لا
تكن من أناس بالتشبه ضلت
ودع عنك تجسيماً ولا تَكُ جاهلاً
بأوصاف من أبداك في كل حالة

قراءة في كلمات الأغنية

شعر النابلسي شعر عارف لا شعر محترف، ولا يُقرأ على ظاهره. فالخمر والساقي والطلل ألفاظ منقولة من موروث الغزل العربي إلى حقل الرمز الصوفي، ومن حملها على المعنى الحسّي أخطأ مقصدها.
وهو في هذا وارث لابن الفارض وابن عربي، غير أنه أقرب منهما إلى التعليم: كثيراً ما يشرح رمزه بنفسه في نثره، فيجتمع للقارئ النصّ وتأويله من يد واحدة. ومن سمات لغته غلبة السهولة على التعقيد، لأن غايته البلاغ لا الإغراب.
تحليل تحريري أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.

قصة العمل

عاش النابلسي في دمشق تحت الحكم العثماني، وفقد أباه صغيراً فنشأ على أيدي علماء المدينة. اعتزل الناس نحو سبع سنين في بيته منقطعاً للتأليف والرياضة الروحية، ثم خرج من عزلته إلى رحلات طويلة في بلاد الشام ومصر والحجاز والأناضول، دوّنها في كتب تُعدّ من أوثق ما يصف حياة تلك البلاد في عصرها.
وشعره امتداد لهذا المسار: أكثره في الحبّ الإلهي والرمز الصوفي، يوظّف معجم الغزل والخمر على طريقة أهل التصوّف، حيث يُراد بالمحبوب والكأس معانٍ غير ظاهرها.
محتوى توثيقي أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.

معلومات ومفارقات

— من أشهر كتبه «تعطير الأنام في تعبير المنام»، ولا يزال يُطبع ويُتداول بعد ثلاثة قرون.
— اعتزاله سبع سنين لم يكن انقطاعاً عن العلم بل تفرّغاً له؛ خرج منه بعدد من أهمّ مصنّفاته.
— دافع عن ابن عربي في زمن كان الدفاع عنه فيه محلّ خطر، فخاصمه بعض فقهاء عصره.
— تُعدّ رحلاته مصدراً تاريخياً يُرجع إليه في وصف الطرق والأسواق والزوايا، لا مجرّد أدب رحلة.
معلومات توثيقية مختارة من إعداد أرشيف aama.sa.
عبد الغني النابلسي
بلد المنشأ: سوريا
سنة الميلاد: 1640
سنة الوفاة: 1731
يذكر الشيخ عبد الغني النابلسي أن نسبه يرتفع إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وقد حاول سبطه محمد كمال الدين الغزي التحقق من ذلك بالرجوع إلى كتب التراجم المتوفرة لديه، فلم يجد ما هو صريح، وثمة قائمتان بينهما حلقة مفقودة، وقد يكون الاتصال بينهما ممكنًا من طريق النساء، ولكن المعلومات المتوفرة لا تسمح بمثل هذا الربط. تنتهي القائمة الأولى بنسبه إلى بني جَمَاعة الذين قطنوا جَمَّاعيل في ضواحي القدس، وهم من أوائل اللاجئين الفلسطينيين إلى دمشق إبَّان الحروب الصليبية. أما القائمة الثانية فتعود إلى بني قُدامة الذين يتسلسل نسبهم إلى الخليفة عمر في قول بعض المؤرِّخين، ورجَّح الأستاذ المؤرِّخ إبراهيم الزيبق أنه لم يثبُت هذا النسب إلى عمر بن الخطاب، من طريق يصحُّ الاعتماد عليها.ويمكننا القول إن أجداده تميزوا في دمشق واشتَهروا بالعلم والصلاح إبان العهد العثماني، وخصوصاً مع والي دمشق درويش باشا الذي بنى الجامع الذي يحمل اسمه حتى اليوم. وكان قد عيَّن إسماعيل بن أحمد النابلسي (993هـ/ 1585م) مدرساً وناظراً على وقف هذا الجامع. كذلك كان جد مؤلفنا عبد الغني بن إسماعيل مدرساً في نفس الجامع وناظراً على وقفه (1032هـ) وقد ورث والده إسماعيل بن عبد الغني (1062هـ/1652م) نفس المهام. وهو أول من انتقل من المذهب الشافعي إلى المذهب الحنفي بعد أن زار إسطنبول مراراً وحضر فيها دروس شيخ الإسلام يحيى بن زكريا (1053 هـ)، وظل يترقى في الوظائف حتى وصل إلى درجة «مدرس الصحن».
المسيرة والإنجازات
في العشرين من عمره مارس التدريس في الجامع الأموي في دمشق بالقرب من منزله الواقع في حي العنبرانيين. وحين بلغ الخامسة والعشرين ارتحل إلى أدرنة التي كانت مقر دار الخلافة، ثم زار إسطنبول وحصل على وظيفة قاضٍ في حي الميدان جنوب دمشق. غير أنه استقال من هذا المنصب وتفرغ للتدريس والتأليف، حيث ألَّفَ حتى عام 1090هـ حوالي الخمسين مؤلفاً بين رسالة صغيرة وشرح مُطَوَّل أو كتاب أصيل

عن الشاعر: عبد الغني النابلسي

يذكر الشيخ عبد الغني النابلسي أن نسبه يرتفع إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وقد حاول سبطه محمد كمال الدين الغزي التحقق من ذلك بالرجوع إلى كتب التراجم المتوفرة لديه، فلم يجد ما هو صريح، وثمة قائمتان بينهما حلقة مفقودة، وقد يكون الاتصال بينهما ممكنًا من طريق النساء، ولكن المعلوما…
المزيد من أعماله ←

أعمال أخرى لـ عبد الغني النابلسي

تنويه حقوق: النص الغنائي أعلاه مملوك لأصحاب حقوقه من شعراء وملحّنين وشركات إنتاج، ويُعرض هنا لغرض التوثيق والأرشفة المرجعية. المادة التحريرية المصاحبة (بطاقة العمل، المعنى، القراءة، القصة، المصادر، نبذة الفنان) من إعداد فريق الموقع. أصحاب الحقوق يمكنهم تقديم طلب إزالة عبر هذا النموذج.
تصحيح الكلمات