بدا شيبه قبل ابتداء شبابه

ظافر الحداد

(44) مشاهدة


«بدا شيبه قبل ابتداء شبابه» — ظافر الحداد: النص الكامل مكتوباً وواضحاً للقراءة.
مقدمة تحريرية عن العمل — من إعداد أرشيف aama.sa.

كلمات أغنية «بدا شيبه قبل ابتداء شبابه»

بَدا شَيْبُه قبلَ ابتداءِ شَبابِه
وولَّى الصِّبا عنه عَقيبَ اغْترابِهِ
وما حان وقتُ الشيبِ منه وإنما
له عِلَّةٌ من وَجْدِه واكْتئابه
فدَام طبيعيُّ السوادِ بشعرِه
دوامَ مَشيبٍ تحت زُور خِضابه
ومن خامرَتْ خمر الهوى كأس لُبِّه
فإنّ نجومَ الشيبِ بعضُ حَبابه
ولما طَمَى بحرُ الغرامِ بقلبه
طَفا زَبَدٌ في فَرْقِه من عُبابه
حَذِرتُ الهوى مذْ كنتُ حتى استفَزَّني
بوجهٍ كأنَّ الشمس تحت نقابه
وقد كتب الحسنُ اسَمه فوقَ خَدَّه
ولم يَبْد إلا نُونُه من كتابه
وقد أَطلعَتْ أزْرارُه الشمسَ في الدُّجَى
وماد النَّقا بالغُصنِ تحتَ ثيابه
وما عَجَبي من روضةٍ طَلَّها النَّدَى
على خَدِّه لم تَحتْرِق بالْتِهابه
ومن بَرَدٍ يَفْتَرُّ عنه وكيف لم
يَذُب وهْو مغمورٌ بشَهد رُضابِه
أحِنُّ إلى الفُسطاط ما لم أكن به
حنينَ طَليحِ الرَّكْبِ بعدَ ذهابه
وتَهْفُو بقلبي زَفْرةٌ لو تَلبَّسَتْ
بصُمِّ الصَّفا لانتْ مُتونُ صِلابه
وأسمو لرَوضىِّ النسيمِ لعلّني
أُصادف منه نَفْحةً من تُرابه
واستقبلُ الرُّكْبانَ من كلِّ وِجْهةٍ
لعلَّ بمصرٍ ذاكرا في خِطابه
وأهجرُ عَذْبَ الماءِ معْ طول غُلَّةٍ
إذا لم يُنِلنِي النِّيلُ بردَ شَرابه
وتَسْودُّ في عينِي البلادُ تذكُّراً
لخضرةِ شَطَّيْهِ وبيضِ قِبابه
وكم لي على سفحِ المقطَّم وَقْفةٌ
لها أثرٌ في وَهْدِه وهِضابه
فَضَضْنا بها سِلْك الحديثِ فخِلْتُه
يَميد بنا زَهْوا لطيبِ عِتابه
وفي البركةِ الغَنَّاءِ للطَّرْفِ مَسْرَحٌ
نَهَى ما انْطَوَى من جَفْنه عن مآبه
يُبلِّغُنا عن زَهْرِها وافدُ الصَّبا
سَلاما تَولَّى المسكُ رَدَّ جوابهِ
إذا جَمَّش الغُدرانَ واهِى نَسيمِها
حَكَتْ زَرَدا فُضَّت أَعالِي عُبابه
وَينْسلُّ في ساحاتِها كلُّ جَدْولٍ
كما سُلَّ مَطْرورُ الشَّبا من قِرابه
ولما حَباني الدهرُ منه بعودةٍ
وراجَعَ حظى بعدَ طولِ اجْتِنابه
وهبتُ لقُرْبٍ سَرَّني بنعيمه
جنايَة بُعْدٍ ساءني بعِقابه
فإن كنتُ في مصرٍ غَريبا فجُلُّ ما
يَنالُ الغَريبُ العِزُّ عند اغْتِرابه
وردتُ بها بحرَ النَّوال مُشرِّقا
وغرَّب غيري آمِلا لسَرابه
فأصبحتُ فيهاَ خادمَ الأَفْضلِ الذي
زَحَمتُ ملوكَ الأرضِ تحتَ رِكابه
جَلوتُ عليه كلَّ عذراءَ ما ارْتَضَتْ
ببعلٍ إلى أن هَرْولتْ بحجِابه
جَهدت فما غاليْتُ في مدحِه بها
ولكنني غاليتُ في مَدْحِها به
إذا نَوَتِ الآمالُ للجودِ حجَّةً
فما تَجْتَرِى إلا الوقوفُ ببابه
وتَسْتلم الركنَ اليَمانِى بداره
وتُكْمِل سَعيا في طوافِ جَنابه
زَرَتْ كُّفه اليمنى على الغيثِ فانثنتْ
به خَجْلةٌ عن مصرَ بعد انْسِكابه
وما النيلُ إلا مُشْبِهٌ بعضَ نَيْلِه
إذا غَمَر الدنيا بفَيْضِ انْصِبابه
إذا ادخر المالَ الملوك فإنما
جزيلُ الثَّنا والحمدِ جُلُّ اكْتِسابه
على أنَّ ما حازُوه من صَدقاتِه
عليهم لما يحظى به من ثوابه
ويُحِيى رِضاهُ النفسَ بعدَ فَنائِها
ويُفْنِى سُطاه الليثَ داخلَ غابه
إذا ما عَتا شيطانُ أرض وإنْ نَأَتْ
فأقربُ شيءٍ منه نارُ شِهابِه
أَجار من الأيام فالحُرُّ آمِنٌ
على نفسه من صَرْفِها وانْقِلابه
ومَدَّ بِساطَ العدلِ حتى تَوقَّرت
أسودُ الشَّرَى في القَفْرِ قبلَ ذئابه
فما الحَرَمُ المشهور بالأمنِ في الوَرَى
بآمَنَ من صحرائهِ وَيبابِه
له سيفُ نصرٍ كلَّما هزَّ نصلَه
تَتَبَّع نابُ الموتِ أمرَ ذُبابه
وجيشُ اعْتزامٍ تَظْلَعُ الريحُ خَلْفَه
وتَقْفُوا أَوالِى البرقِ أُخْرَى عِرابه
يُقاتلُ عنه الرُّعبُ قبلَ قِتاله
ويضرِب عنه النصرُ قبلَ ضِرابه
يُضايقُ وجهَ الأرضِ طَوْرا بجيشِه
فأَعْوَزُ شيءٍ جَلْسَةٌ في رِحابه
وثارَ به في ساحةِ الخوفِ قَسْطَلٌ
فضاقتْ على عِقْبانِه وسَحابه
وأَطْرَفَ طَرْف الشمسِ حتى كأنّها
وقد خَفِيتْ وَسْنَى لفَرْطِ ضَبابه
وبثَّ على البحر الأساطيل جَحْفَلا
بأكثرَ من نِينانِه ودَوابه
فضَمَّ مُتون اللٌّجِّ منتِظم القَنا
كما يَتراءَى شِبْهُهم في إهابه
إذا عَن شاهِنْشاهُ ذِكْرا تزعزعتْ
قوى كلِّ جبارٍ لفَرْط ارْتِعابه
كَسا الفَضْلُ فضْلا حين أضْحَى سَمِيَّه
ومَتَّ إلى أَفْعالِه بانتسابه
له قلمٌ يستخدِم السيفَ والقَنا
وتُغْنى وتُفْنى قطرةٌ من لُعابه
تَوَدّ سُوَيْدا قلبِ كلِّ أخِى نُهىً
إذا مدَّ نفْسا لو جرَتْ في مُذابه
فمهما توالتْ نعمةٌ فبشَهْدِه
ومهما تناهتْ نقمةٌ فبصَابِه
جمعتَ فنونَ الفضل فاخترتَ كل ما انْ
فرَدْتَ به من لُبِّه ولُبابه
فيا عيدَ عيدَ الخَلْقِ يَهْنِيه أنه
يُقيم ثلاثاً في ذَراكَ كدابِه
ويُبصر فيها كلَّ مَلْكٍ مُقبِّلا
لَدَيْك الثَّرَى معْ كبره واعْتِجابه
ويعلم أن العيد وجهُك دائما
بمصرٍ ولكن نابَ بعضَ مَنابه
وأنّ له من عُظْمِ قَدْرِك في الوَرَى
ومن نَحْرِك الأعداءَ بعضَ مَشابه
بقيتَ تُهَنَّا كلَّ يومٍ بنعمةٍ
مَدَى الدهرِ من تَوْديعِه لإيابِه
فإنك معنىً والخليفةُ كلُّها
كلامُ زمان لو عَداكَ هَذَى به

قراءة في كلمات الأغنية

أطرف ما في شعر ظافر أن حرفته دخلت في مخيّلته: النار والحديد والكِير والسندان تتردّد في صوره تردّداً لا تجده عند شاعر لم يقف على منفاخ. وهذا يمنح شعره طرافة حسّية تميّزه في زمن كانت الصورة الشعرية فيه تُورَّث عن الشعراء أكثر ممّا تُستمدّ من الحياة. ولغته مع ذلك رقيقة سهلة قريبة من شعر المصريين في عصره، بعيدة عن الجزالة البدوية — فهو ابن مدينة ساحلية، ويكتب كابنها.
تحليل تحريري أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.

قصة العمل

لم يكن ظافر شاعر بلاط نشأ في الدواوين، بل صاحب حرفة في الإسكندرية الفاطمية يطرق الحديد ويكسب من عمل يده، ثم ارتفع بشعره حتى وصل إلى ممدوحين من كبار رجال الدولة. وبقي لقب الحرفة لصيقاً باسمه لا يفارقه، حتى صار «الحدّاد» هو ما يُعرف به أكثر من نسبه. وهو نموذج لظاهرة قليلة الذكر في تاريخ الأدب العربي: الشاعر الذي جاء من السوق لا من المدرسة ولا من القصر.
محتوى توثيقي أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.

معلومات ومفارقات

الإسكندرية الفاطمية التي عاش فيها كانت مرفأً يجمع تجّار المتوسّط، وشعره من الشهادات القليلة على حياتها الأدبية في ذلك القرن. وقد وصل ديوانه ناقصاً، وجُمع أكثر ما بقي منه من كتب الأدب والمختارات لا من نسخة متّصلة.
معلومات توثيقية مختارة من إعداد أرشيف aama.sa.
بلد المنشأ: الدولة الفاطمية
سنة الوفاة: 1134
يُعتبر ظافر الحداد شاعر بارزاً من العالم العربي، عاش/عاشت في العصر العباسي، وترك/تركت بصمة واضحة في الأدب العربي من خلال نصوصه الشعرية التي تجمع بين العاطفة والبلاغة. توفي سنة 1134م، ولا تزال قصائده حاضرة في الذاكرة الأدبية والغنائية العربية.
المسيرة والإنجازات
قدّم ظافر الحداد نصوصاً شعرية غنّاها كثير من المطربين، وتبرز من رصيده الغنائي أعمال مثل: يا راغبا في غنى وكنز، أفرط نسيان أبي عامر، وروضة زاهرة، متى كانت الأيام تسعف بالمنى، جاء الربيع أخو حياة الأنفس، أفرط نسياني إلى غاية، على الجانب الإسكندري سلام، يا لاح في سمر كالسمر، يا من نصيبي منه قر، فكأنني ظمآن ضل بقفزة، صحة في سلامة ونعيم، هناؤك ليس يعدمه زمان، مولاى قد وصل الكتاب، عتبت ولكنني لم أع، انظر إلي ففي كل غريبة. يعكس هذا الإرث تنوّع اهتماماته الشعرية وقدرته على تجسيد المشاعر الإنسانية بألفاظ بليغة.

أعمال أخرى لـ ظافر الحداد

تنويه حقوق: النص الغنائي أعلاه مملوك لأصحاب حقوقه من شعراء وملحّنين وشركات إنتاج، ويُعرض هنا لغرض التوثيق والأرشفة المرجعية. المادة التحريرية المصاحبة (بطاقة العمل، المعنى، القراءة، القصة، المصادر، نبذة الفنان) من إعداد فريق الموقع. أصحاب الحقوق يمكنهم تقديم طلب إزالة عبر هذا النموذج.
تصحيح الكلمات