هي المواطن أدنيها وتقصيني

معروف الرصافي

(46) مشاهدة


«هي المواطن أدنيها وتقصيني» — معروف الرصافي: النص الكامل مكتوباً وواضحاً للقراءة.
مقدمة تحريرية عن العمل — من إعداد أرشيف aama.sa.

كلمات أغنية «هي المواطن أدنيها وتقصيني»

هي المواطن أدنيها وتُقصيني
مثل الحوادث أبلوها وتُبليني
قد طال شكواي من دهر أكابده
أما أصادف حرّاً فيه يُشكيني
كأنني في بلادي إذ نزلت بها
نزلت منها ببيت غيرِ مسكون
حتى متى أنا في البلدان مغترب
نوائب الدهر بالأنياب تُدميني
فتارةً في المَوامي فوق مُوَقرةٍ
وتارةً في الطوَامي فوق مشحون
كم أغرقتني الليالي في مصائبها
فعُمت فيهنّ من صبري بدُلفين
أنا ابن دجلة معروفاً بها أدبي
وإن يك الماء منها ليس يُرويني
قد كنت بلبلها الغِرّيد أنشدها
أشجى الأناشيد في أشجى التلاحين
حيث الغُصون أقَلّتني مكلَّلَةً
بالورد ما بين أزهار البساتين
فبينما كنت فيها صادحاً طرباً
أستنشق الطيب من نفح الرياحين
إذ حلّ فيها غراب كان يُوحِشُني
وكان تَنعا به بالبين يؤذيني
حتى غدَوْت طريداً للغراب بها
وما غدوت طريداً للشواهين
فطِرت غير مُبالٍ عند ذاك بما
تركت من نرجس فيها ونسرين
ويل لبغداد مما سوف تذكره
عنّي وعنها الليالي في الدواوين
لقد سَقيت بفيض الدمع أربُعها
على جوانب وادٍ ليس يَسقيني
ما كنت أحسب أني مذ بكَيت بها
قومي بكيت على من سوف يُبكيني
أفي المروءة أن يَعتزّ جاهلها
وإن أكون بها في قبضة الهُون
وأن يعيش بها الطُرطُور ذا شَمَم
وأن أسام بعيشي جدع عِرنيني
تالله ما كان هذا قطّ من شِيمي
ولا الحياة على النكراء من ديني
ولست أبذُل عرضي كي أعيش به
ولو تأدّمت زَقّوماً بغسلين
أغنت خشونة عيشي في ذُرا شرفي
عما أرى بخسيس العيش من لين
عاهدت نفسيَ والأيام شاهدة
أن لا أقِرَّ على جَوْر السلاطين
ولا أصادق كذاباً ولو مَلِكاً
ولا أخالطَ أخوان الشياطين
أما الحياة فشيء لا قرار له
يحيا بها المرء مَوْقوتاً إلى حين
سِيَانِ عندي أجاء الموت مُخْتَرِماً
من قبل عشرين أم من بعد تسعين
ما بالسنين يقاس العمر عندي بل
بما له في المعالي من تحاسين
لو عشت ستين عاماً لاستعضت بها
ستين مكْرُمةً بل دون ستين
فإنما أطول الأعمار أجمعها
للمَكْرُمات من الأبكار والعُون
إن اللئيم دفين قبل ميتتِهِ
وما الكريم وإن أودى بمدفون
وليس مَن عاش في ذُلٍّ بمغتَبَط
ولا الذي مات في عزّ بمغبون
ما كنت أحسَب بغداداً تُحَلّئني
عن ماء دجلتها يوماً وتُظميني
حتى تقلد فيها الأمر زعنفةٌ
من الأُناس بأخلاق السراحين
ما ضرّني غير أني اليوم مِن عرب
لا يغضبون لأمرٍ ليس يُرضيني
تالله ما ضاع حقّي هكذا أبداً
لو كنت من عجم صُهْب العَثانين
علام أمكُث في بغداد مصطبراً
على الضراعة في بُحبوحة الهُون
لأجعلنّ إلى بيروت هُنتَسَبي
لعلّ بيروت بعد اليوم تُؤويني
خابت ببغداد آمال أؤمّلها
فهل تخيب إذا استذرت بصِنّين
فليت سورّية الوَطفاء مُزنتها
عن العراق وعن واديه تُغنيني
قد كان في الشام للأيام مذ زمن
ذنب محَته الليالي في فلسطين
إذ كان فيها النشاشيبي يسعفني
وكنت فيها خليلاً للسكاكيني
وكان فيها ابن جبر لا يُقصر في
جبر انكسار غريب الدار محزون
إن كان في القدس لي صحب غطارفة
فكم ببيروت من غُرٍّ ميامين

قراءة في كلمات الأغنية

الرصافي والزهاوي معاً هما ما أخرج الشعر العراقي من المدح إلى المجتمع، لكنهما فعلا ذلك على وجهين مختلفين: الزهاوي بالفكرة المجرّدة والجدل العقلي، والرصافي بالمشهد المحسوس. فهو يبني القصيدة على صورة واقعية — امرأة، طفل، حالة يراها المارّ في الطريق — ثم يستنطقها الحكم الاجتماعي. وهذه طريقة أقرب إلى الصحافة والقصّ منها إلى الغزل والفخر، وهي التي جعلت شعره يبقى في الذاكرة الشعبية العراقية أكثر من بقاء شعر معاصريه. وخصومته مع الزهاوي، على حدّتها، كانت من أخصب ما حرّك الحياة الأدبية في بغداد.
تحليل تحريري أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.

قصة العمل

لم يكن الرصافي شاعر بلاط ولا شاعر صالون، بل شاعراً يكتب عن اليتيم والأرملة والفقير والمرأة المحجوبة عن التعليم، في زمن كان أكثر الشعر يتّجه إلى الأمراء. وقد دخل السياسة نائباً في العهد العثماني، ثم لمّا قامت الدولة العراقية لم يجد فيها موضعاً يرضاه، فبقي على خصومة مع أهل الحكم حتى آخر عمره. ومات سنة 1945 في فقر شديد لا يشبه مكانته — وهي نهاية تُذكَر عنه كلّما ذُكر اسمه.
محتوى توثيقي أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.

معلومات ومفارقات

خصومته الأدبية مع الزهاوي من أشهر الخصومات في الأدب العربي الحديث، وكانت تُتابع في الصحف كما تُتابع المباريات. وله كتاب «الشخصية المحمّدية» الذي أثار جدلاً واسعاً ولم يُنشر في حياته.
معلومات توثيقية مختارة من إعداد أرشيف aama.sa.
معروف الرصافي
بلد المنشأ: العراق
سنة الميلاد: 1875
سنة الوفاة: 1945
معروف الرصافي شاعر المعروف بأسلوبه الشعري المميز، ينتمي إلى العصر الحديث والمعاصر في العراق، ويضم الأرشيف عدداً من النصوص المنسبة إليه تُغنّى وُتُقرأ حتى اليوم. عاش/عاشت له حياة حافلة بالأحداث التاريخية، ويُعد من رواد النهضة الشعرية في العراق مع الجواهري والزهاوي، وتميز شعره بالتعبير عن قضايا المجتمع والوطن، وله ديوان مطبوع ظل يُدرَّس عقوداً.
المسيرة والإنجازات
قدّم معروف الرصافي نصوصاً شعرية غنّاها كثير من المطربين، وتبرز من رصيده الغنائي أعمال مثل: قل لنجلا نجلا أبي اللمع إني، سمي المصطفى لا زلت تعلو، تفكرت في كنه الحياة فلم أكن، نحن للحرب العوان، أما وقد طلع الرجاء، نعمت الدار للنفيض دارا، زهرة قد بدت من الأكمام، حي هل يا أخا مصر، إن العراق بعرضه وبطوله، أيها القوم مالكم في جمود، قل للحجابيين كيف ترونكم، أرى الأيام ظامئة وليست، لله سر في الأنام مطلسم، نحن من أرضنا على منطاد، دار ذا الدهر مداره. يعكس هذا الإرث تنوّع اهتماماته الشعرية وقدرته على تجسيد المشاعر الإنسانية بألفاظ بليغة.

أعمال أخرى لـ معروف الرصافي

تنويه حقوق: النص الغنائي أعلاه مملوك لأصحاب حقوقه من شعراء وملحّنين وشركات إنتاج، ويُعرض هنا لغرض التوثيق والأرشفة المرجعية. المادة التحريرية المصاحبة (بطاقة العمل، المعنى، القراءة، القصة، المصادر، نبذة الفنان) من إعداد فريق الموقع. أصحاب الحقوق يمكنهم تقديم طلب إزالة عبر هذا النموذج.
تصحيح الكلمات