جاء المسيح من الإله رسولا
البوصيري
(46) مشاهدة
«جاء المسيح من الإله رسولا» — البوصيري: النص الكامل مكتوباً وواضحاً للقراءة.
مقدمة تحريرية عن العمل — من إعداد أرشيف aama.sa.
كلمات أغنية «جاء المسيح من الإله رسولا»
جاءَ المَسِيحُ مِنَ الإلهِ رَسُولا
فأبَى أَقَلُّ العالَمِينَ عُقُولا
قَوْمٌ رَأَوْا بَشَرَاً كريماً فادَّعَوْا
مِنْ جَهْلِهِمْ للَّهِ فيهِ حُلولا
وَعِصَابَةٌ ما صَدَّقَتهُ وَأَكثَرَت
بالإِفكِ والبُهْتانِ فيهِ القِيلا
لَمْ يَأْتِ فيهِ مُفْرِطٌ ومُفَرِّطٌ
بالحَقِّ تَجرِيحاً وَلا تَعدِيلا
فكَأَنَّما جاءَ المَسِيحُ إليهمُ
لِيُكَذِّبُوا التَّوْراةَ والإِنْجِيلا
فاعجَب لِأُمَّتِهِ الّتي قد صَيَّرَتْ
تَنْزِيهَها لإِلهِها التَّنْكِيلا
وإِذا أرادَ اللَّهُ فِتْنَةَ مَعْشَرٍ
وَأَضَلَّهُمْ رَأَوُا القَبِيحَ جَمِيلا
هُمْ بَجَّلوهُ بِباطِلٍ فابْتَزَّهُ
أَعْداؤُهُ بالباطِلِ التَّبجِيلا
وتَقَطَّعُوا أَمْرَ العَقائِدِ بينهم
زُمَراً ألَم تَرَ عِقدَها مَحْلُولا
هَوَ آدَمٌ فِي الفَضْلِ إِلَّا أنّهُ
لَمْ يُعْطَ حالَ النَّفْخَةِ التَّكْمِيلا
أسَمِعْتُمُ أنَّ الإِلهَ لحَاجَةٍ
يَتَنَاوَلُ المَشْرُوبَ وَالمَأْكُولا
ويَنَامُ مِنْ تَعَبٍ وَيَدْعُو رَبَّهُ
ويَرُومُ مِنْ حَرِّ الهَجِيرِ مَقِيلا
ويَمَسُّهُ الألَمُ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِع
صَرْفَاً لَهُ عنهُ ولا تَحْوِيلا
يا ليتَ شِعْرِي حِينَ ماتَ بِزَعْمِهِم
من كانَ بالتَّدْبِيرِ عنه كَفِيلا
هَلْ كانَ هذا الكَوْنُ دَبَّرَ نَفْسَهُ
مِنْ بَعْدِهِ أَمْ آثَرَ التَّعْطِيلا
اجْزُوا اليَهُودَ بِصَلْبِهِ خَيْراً ولا
تُخْزُوا يَهُوذَا الآخِذَ البِرْطِيلا
زَعَمُوا الإلهَ فَدَى العَبيدَ بِنَفْسهِ
وأراهُ كانُ القاتِلَ المَقْتُولا
أيَكونُ قَوْمٌ في الجَحِيمِ ويَصْطَفِي
منهم كَلِيماً رَبُّنا وخَلِيلا
وإذا فَرَضْتُمْ أنَّ عيسى ربّكُمْ
أفَلَمْ يَكُنْ لِفِدَائِكُمْ مَبْذُولا
وأُجِلُّ رُوحاً قامَتِ المَوْتَى بهِ
عَنْ أَنْ يُرَى بِيَدِ اليَهودِ قَتِيلا
فَدَعُوا حديثَ الصَّلْبِ عَنْهُ ودُونكُمْ
مِن كُتبِكُم ما وافَقَ التَّنْزِيلا
شَهِدَ الزَّبُورُ بِحِفْظِهِ ونَجاتِهِ
أَفَتَجْعَلُونَ دَلِيلَهُ مَدْخُولا
أَيَكُونُ مَنْ حَفِظَ الإلهُ مُضَيَّعاً
أَوْ مَنْ أُشِيدَ بِنَصْرِهِ مَخْذُولا
أَيَجُوزُ قَوْلُ مَنَزِّهٍ لإِلههِ
سبحانَ قاتِلِ نَفْسِهِ فأَقُولا
أَو جَلَّ مَنْ جَعَلَ اليَهُودُ بِزَعمِكُمْ
شَوْكَ القَتادِ لِرَأْسِهِ إكلِيلا
ومَضَى بِحَمْلِ صَلِيبِهِ مُستَسلِماً
لِلموتِ مَكتُوفَ اليَدَينِ ذَلِيلا
كَم ذا أُبَكِّتُكُم وَلَمْ تَستَنكِفُوا
أنْ تَسْمَعُوا التَّبْكِيتَ والتَّخجِيلا
ضَلَّ النَّصارَى في المَسِيحِ وَأَقْسَمُوا
لا يَهْتَدُونَ إلَى الرَّشادِ سَبِيلا
جَعَلُوا الثَّلاثَةَ واحِداً وَلوِ اهتَدَوا
لَمْ يَجْعَلوا العَدَدَ الكَثيرَ قليلا
عَبَدُوا إلهاً مِنْ إلهٍ كائِناً
ذَا صُورَةٍ ضَلّوا بها وهَيُولَى
ضَلَّ النَّصارَى واليَهُودُ فلا تَكُنْ
بِهِم عَلَى سُبُلِ الهُدَى مَدلُولا
والمُدَّعُو التَّثلِيث قَوْمٌ سَوَّغُوا
ما خالف المنقولَ والمَعْقُولا
والعابِدُونَ العِجْلَ قد فُتِنُوا به
ودُّوا اتِّخاذَ المُرْسَلِينَ عُجُولا
فإذا أتَتْ بُشْرَى إليهِم كَذَّبُوا
بِهَوَى النُّفُوسِ وقُتِّلُوا تَقْتِيلا
وَكَفَى اليهودَ بأنهم قد مَثَّلُوا
مَعْبُودَهمْ بِعِبادِهِ تَمثيلا
وبأَنَّ إسرائيلَ صارعَ رَبَّهُ
ورَمَى به شُكْراً لإِسْرائيلا
وبأنَّهم رحَلُوا به في قُبَّةٍ
إذْ أَزْمَعُوا نَحْوَ الشآمِ رَحِيلا
وبِأنَّهمْ سَمِعُوا كلامَ إلهِهِمْ
وسَبِيلُهُم أنْ يَسْمَعُوا المَنْقُولا
وبِأنَّهمْ ضَرَبُوا لِيَسْمَعَ ربُّهُمْ
في الحَربِ بُوقاتٍ لَهُ وَطُبُولا
وبأَنَّ رَبَّ العالَمِينَ بَدا لَهُ
في خَلْقِ آدَمَ يَا لَهُ تَجْهِيلا
وبَدا لَهُ في قَوْمِ نوح وانثَنَى
أسَفاً يَعُضُّ بَنَانَهُ مَذْهُولا
وبِأَنَّ إبراهيمَ حاولَ أَكْلَهُ
خُبْزَاً وَرامَ لِرِجلِهِ تَغْسِيلا
وبأَنَّ أموالَ الطَّوائِفِ حُلِّلَتْ
لهُمُ رباً وخيانَةً وَغُلولا
وبِأنَّهم لَم يَخْرُجُوا مِنْ أَرضِهِم
فكأنّهم حسِبُوا الخُروجَ دُخُولا
وحَدِيثُهُم في الأَنبِياءِ فلا تَسَل
عنه وخَلِّ غِطاءهُ مَسْدُولا
لَم يَنتَهُوا عَن قَذفِ دَاوُودَ وَلا
لوطٍ فكيفَ بِقذْفِهِمْ رُوبِيلا
وَعَزَوْا إلَى يَعقُوبَ مِن أَولادِهِ
ذِكْراً مِنَ الفِعْلِ القَبِيحِ مَهولا
وَإلى المَسِيحِ وَأُمِّهِ وَكَفَى بها
صِدِّيقَةً حَمَلَتْ به وَبَتُولا
وَلِمَنْ تَعَلَّقَ بالصَّلِيبِ بِزَعمِهِم
لَعْناً يَعُودُ عليهمُ مكفولا
وَجَنَوْا عَلَى هارونَ بالعِجْلِ الّذي
نَسَبُوا لَهُ تَصْوِيرَهُ تَضْلِيلا
وَبأنَّ موسى صَوَّرَ الصُّوَرَ التي
ما حَلَّ منها نَهْيُهُ مَعْقُولا
ورَضُوا لهُ غَضَبَ الإِلهِ فلا عَدا
غَضَبُ الإلهِ عَدُوَّهُ الضِّلِّيلا
وبأنَّ سِحْراً ما اسْتطاعَ لآيَةٍ
منه وَلا اسطاعَتْ لهُ تَبْطِيلا
وبأنَّ ما أبْدَى لهُمْ مِنْ آيَةٍ
أبْدَوا إلَيهِ مْلَها تَخييلا
إِلَّا البَعُوضَ ولا يَزالُ مُعانِداً
لإِلهِهِ بِبَعُوضَةٍ مَخْذُولا
ورَضُوا لِمُوسى أنْ يقولَ فواحِشاً
خَتَمَتْ وَصِيَّتُهُ لهنَّ فصُولا
نَقَلوا فَواحِشَ عَن كليمِ اللَّهِ لَم
يَكُ مِثلُها عَنْ مِثلِهِ مَنُقُولا
وأَظُنُّهُمْ قد خالفوه فعجَّلتْ
لهُمُ العُقوبة بالخنا تعْجِيلا
وَشَكَتْ رِجالُهُمُ مَصادِرَ ذَيْلِها
ونِساؤُهُمْ غيرَ البُعُولِ بُعولا
لُعِنَ الَّذينَ رَأوْا سَبِيلَ مُحَمَّدٍ
وَالمُؤْمِنِينَ بِهِ أضَلَّ سَبِيلا
أَبْناءُ حَيَّاتٍ ألَم تَرَ أنّهم
يَجِدُونَ دِريَاقَ السُّمومِ قَتولا
مُذْ فارَقوا العِجْلَ الّذي فُتِنُوا به
وَدُّوا اتِّخاذَ الأنبياءِ عُجُولا
فإِذا أتَى بَشَرٌ إليهم كَذَّبُوا
بِهَوَى النُّفُوسِ وقُتِّلُوا تَقْتِيلا
أَخلَوا كِتابَ اللَّهِ مِن أَحكَامِهِ
عَدواً وَكانَ العامِرَ المَأهُولا
جَعلوا الحَرامَ بهِ حَلالاً وَالهُدَى
غَيّاً وَمَوْصولَ التُّقَى مَفْصُولا
وَدَعَاهُم ما ضَيَّعُوا مِنْ فَضْلِهِ
أنْ يَمْلَؤُوهُ مِنَ الكلامِ فُضُولا
كَتَمُوا العِبَادَةَ والمعادَ وَما رَعَوْا
لِلحَقِّ تَعجِيلاً وَلا تَأجِيلا
عَجَباً لَهُم وَالسَّبتُ بَيعٌ عِندَهُم
لَم يَلقَ منهُ المُشتَرُون مَقِيلا
هَلَّا عَصَوا في السَّبتِ يُوشَعَ إذ غَدا
يَدْعُو جُنُوداً للوَغَى وخُيُولا
أَو خالَفُوا هارُونَ في ذبحٍ وَفي
عَجْنٍ به لَمْ يُبْدِ عنهُ نُكُولا
أو أَلْحَقُوا بهما المَسِيحَ وَسَوَّغُوا ال
تَحْرِيمَ في الحالَيْنِ والتَّحْلِيلا
أو أثبَتُوا النَّسخَ الَّذي في كُتبِهم
قد نُصَّ عنْ شَعْيا وعَنْ يُوئِيلا
أوَ لَمْ يَرَوْا حُكْمَ العَتِيقَةْ ناسِخاً
أحكامَ كُتْبِ المُرْسَلِينَ الأُولى
أفَيَأنَفُ الكُفَّارُ أنْ يَستَدرِكُوا
قَوْلاً عَلَى خيرِ الوَرَى مَنحُولا
لا دَرَّ دَرُّهُمُ فإنَّ كلامَهم
يذَرُ الثَّرَى مِنْ أَدْمُعِي مَبْلولا
فكأنَّني ألفَيْتُ مُقْلَةَ فاقِدٍ
ثَكْلَى ومُوجَعَةٍ تُصِيبُ عَوِيلا
ظَنُّوا بربِّهِمُ الظُّنُونَ ورُسْلِهِ
وَرَمَوْا إناثاً بالأَذَى وَفُحُولا
إن يَبخسُوهُ بِكَيْلِ زُورٍ حَقَّهُ
فَلأُوسِعَنَّهُمُ الجزاءَ مَكِيلا
وَمِنَ الغَبِينَةِ أنْ يُجازي إفْكَهُم
صِدْقِي ولَسْنا في الكَلامِ شُكُولا
لَو يَصْدُقُونَ لَمَا أتَت رُسُلٌ لهُمْ
أتَرَى الطَّبِيبَ غَدَا يَزورُ عَلِيلا
إنْ أنكَرُوا فضلَ النبيِّ فإنّما
أرخَوا عَلَى ضَوءِ النَّهارِ سُدُولا
اللَّه أَكبَرُ إنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ
وكتَابَهُ أَقْوَى وَأَقْوَمُ قِيلا
طَلَعَت بهِ شمسُ الهِدَايَةِ لِلوَرَى
وَأبى لَها وصْفُ الكمالِ أُفُولا
والحَقُّ أَبْلَجُ في شريعَتِهِ الّتي
جَمَعَتْ فروعاً لِلْوَرَى وأُصُولا
لا تَذْكُروا الكتبَ السَّوالِفَ عندَهُ
طَلَعَ النَّهارُ فأَطْفِئُوا القِنْدِيلا
دَرَسَت معالِمُها ألا فاستَخبِرُوا
منها رُسوماً قد عَفَتْ وطُلُولا
تُخبِركُمُ التَّوراةُ أنْ قد بَشَّرَتْ
قِدْماً بأَحْمَدَ أَمْ بإسْماعِيلا
وَدَعَتهُ وَحشَ النَّاسِ كلُّ نَدِيَّةٍ
وَعَلَى الجَمِيعِ لَهُ الأَيادِي الطُّولَى
تَجِدُوا الصحيحَ مِنَ السَّقِيمِ فطالما
صَدَقَ الحَبِيبُ هَوَى المحِبِّ نُحولا
مَنْ مِثْلُ موسَى قد أُقِيمَ لأَهْلِهِ
مِنْ بَيْنَ إخْوَتِهِمْ سِواهُ رَسولا
أَو أنَّ إخْوَتَهمْ بنو العِيصِ الّذي
نُقِلَتْ بَكارَتُهُ لإِسْرائيلا
تَاللَّهِ ما كانَ المُرادُ به فَتَى
موسَى ولا عِيسَى وَلا شَمْوِيلا
إذْ لَنْ يَقُومَ لَهُمْ نَبِيٌّ مِثْلُهُ
منهم ولو كانَ النَّبِيُّ مَثيلا
طوبى لِمُوسى حينَ بَشَّرَ باسمِهِ
ولِسامِعٍ مِنْ فَضْلِهِ ما قيلا
وَجِبالُ فارانَ الرَّواسِي إنّها
نالت عَلَى الدُّنيا به التَّفضيلا
واستَخبِرُوا الإِنْجِيلَ عنه وحاذِرُوا
مِنْ لَفْظِهِ التَّحْرِيفَ والتَّبْدِيلا
إنْ يَدْعُهُ الإِنْجِيلُ فارِقْلِيطَهُ
فلَقَدْ دَعاهُ قبلَ ذلكَ إيلا
ودَعاهُ رُوحَ الحَقِّ لِلوَحيِ الّذي
يُتْلَى عَليه بُكْرَةً وَأَصِيلا
وأراهُ لا بِتَكلُّمٍ إِلَّا إذا
أرفَعتُ عنكم للإِلهِ مَقُولا
إنْ أنْطَلقْ عنكم يَكُنْ خيرٌ لكم
لِيَجِيئَكُمْ مَنْ تَرْتَضُوهُ بَدِيلا
يَأتِي على اسْمِ اللَّهِ منه مُبارَكٌ
ما كانَ مَوْعِدُ بَعْثِهِ مَمْطُولا
يَتْلُو كِتَابَ البَيِّنَاتِ كِتابُهُ
ويَرُدُّ أَمْثالِي به التَّأوِيلا
وَيُفَنِّدُ العُلَماءَ تَوْبِيخاً لَهُم
وكَفَاهُمُ بِخَطِيئَةٍ تَخْجِيلا
ويُزِيحُ مُلْكَ اللَّهِ منكم عَنوَةً
لِيُبيحَهُ أهلَ التُّقَى ويُنيلا
وكما شَهِدْتُ لهُ سَيَشهَدُ لِي إذا
صار العليمُ بما أتَيْتُ جَهُولا
يُبْدِي الحوادِثَ والغُيُوبَ حَدِيثُهُ
وَيسوسُكُمْ بالحَقِّ جِيلاً جِيلا
هُوَ صَخْرَةٌ ما زُوحِمَتْ صَدَمَتْ فلا
تَبْغُوا لها إلَّا النُّجُومَ وُعُولا
والآخِرونَ الأَوَّلونَ فَقَوْمُهُ
أَخَذُوا عَلَى العَمَلِ القَلِيلِ جَزِيلا
والمُنْحَمنَّا لا تَشْكُّوا إنْ أتَى
لَكُمُ فليسَ مَجِيئُهُ مَجْهُولا
وَهُوَ المُوَكَّلُ آخِراً بالكَرمِ لا
يَخْتَارُ مالِكُهُ عليه وكيلا
وَهوَ الَّذي مِن بعدِ يَحيَى جاءهم
إذْ كانَ يَحيَى لِلْمَسِيحِ رَسيلا
وَسَلُوا الزَّبورَ فإنَّ فيه الآن مِن
فصْلِ الخطابِ أوامِراً وفصولا
فهوَ الَّذي نَعَتَ الزَّبورُ مُقَلَّداً
ذا شَفْرَتَيْنِ مِنَ السُّيوفِ صَقِيلا
قُرِنَت بِهَيبَتِهِ شَريعَةُ دِينِهِ
فَأَراكَ أَخْذَ الكافِرِينَ وبِيلا
فاضَت عَلَى شَفَتَيْهِ رَحْمَةُ رَبِّهِ
فاستَشْفِ مِنْ تِلْكَ الشِّفاه عَلِيلا
وَلِغالِبٍ مِنْ حَمْدِهِ وَبَهَائِهِ
مَلأَ الأَعادِي ذِلَّةً وخُمولا
فِي أُمَّةٍ خُصَّتْ بِكلِّ كَرَامَةٍ
وتَفَيَّأَتْ ظِلَّ الصَّلاحِ ظَلِيلا
وَعَلَى مَضاجِعهِم وكلِّ ثَنِيَّةٍ
كلٌّ يُسِرُّ وَيُعلِنُ التَّهْلِيلا
رُهْبانُ لَيْلٍ أُسْدُ حَرْبٍ لم تَلِج
إِلَّا القَنا يَوْمَ الكَرِيهَةِ غِيلا
كم غادَروا الملك الجليلَ مُقَيَّداً
والقَرْمَ مِنْ أشْرَافِهِمْ مَغْلُولا
فاللَّهُ مُنتَقِمٌ بِهِم مِن كُلِّ مَنْ
يَبْغِي عَلَى الحَقِّ المُبينِ عُدُولا
أَعَجِبْتَ مِنْ مَلكٍ رَأَيْتَ مُقَيَّداً
وَشرِيفِ قَوْمٍ عِنْدَهمْ مَغْلولا
خَضَعَتْ مُلوكُ الأرضِ طائِعَةً لَهُ
وغَدا به قرْبانُهُمْ مَقْبُولا
ما زَالَ لِلمُستَضعَفِينَ مُؤَازِراً
وَأُلي الصَّلاحِ وَلِلعُفاةِ بَذُولا
لمْ يَدْعُهُ ذُو فاقَةٍ وضَرُورَةٍ
إِلَّا ونالَ بِجُودِهِ المَأْمُولا
ذاكَ الَّذِي لم يَدعُهُ ذُو فاقَةٍ
إِلَّا وكانَ لهُ الزَّمانُ مُنِيلا
تَبْقَى الصَّلاةُ عليهِ دائمَةً فَخُذ
وَصْفَ النبيِّ مِنَ الزُّبُورِ مَقُولا
وَكِتابُ شَعْيا مُخْبِرٌ عَنْ رَبِّهِ
فاسْمَعْهُ يُفْرِحُ قَلْبَكَ المَتْبُولا
عَبْدِي الَّذي سُرَّتْ به نَفسِي وَمَن
وَحْيِي عليه مُنزَّلٌ تَنزِيلا
لَمْ أُعْطِ ما أَعْطَيْتُهُ أَحَداً مِنَ ال
فَضْلِ العظيمِ وحَسْبُهُ تَخْوِيلا
يَأتِي فَيُظهِرُ في الوَرَى عَدْلِي وَلم
يَكُ بالهَوَى في حُكْمِهِ لِيَمِيلا
إنْ غَضَّ مِنْ بَصَرٍ وَمِنْ صَوْتٍ فما
غَضَّ التُّقَى والفَضلُ مِنهُ كلِيلا
فَتَحَ العُيُونَ العُورَ لكنَّ العِدا
عَنْ فضلِهِ صَرَفُوا العُيُونَ الحُولا
أَحيا القلوبَ الغُلفَ أَسمَعَ كلَّ ذِي
صَمَمٍ وَكَمْ داءٍ أزالَ دَخِيلا
يُوصِي إلى الأُمَمِ الوصايا مِثْلَمَا
يُوصِي الأَبُ البَرُّ الرَّحِيمُ سَلِيلا
لا تُضْحِكُ الدُّنيا لهُ سِنّاً وَما
لَمْ يُؤْتَ منها عَدَّهُ تَنوِيلا
منْ غيرُ أحمدَ جاءَ يَحْمَدُ رَبَّهُ
حَمْداً جَدِيداً بالمزِيدِ كَفِيلا
وَكِتابُهُ ما ليسَ يُطْفَأُ نُورُهُ
والحَقُّ مُنْقَادٌ إليه ذَلولا
خَصَمَ العِبادَ بِحُجَّةِ اللَّهِ الَّتي
أمْسَى بها عُذْرُ الوَرَى مَتْبُولا
فَرِحَتْ بهِ البَرِّيَّةُ القُصْوَى وَمَنْ
فيها وفاضَلَتِ الوُعُورُ سُهولا
فَزَهَت وَنالَت حُسنَ لُبنانَ الَّذي
لَولا كَرامَةُ أَحمَدٍ ما نِيلا
مُلِئت مَساكِنُ آلِ قَيْدارٍ به
عِزّاً وطابَتْ مَنْزِلاً ونَزِيلا
جَعَلُوا الكَرامَةَ لِلإِلهِ فَأُكرِمُوا
فاللَّه يَجْزِي بالجَمِيلِ جَمِيلا
وَلِبَيتِهِ الحَرَمِ الحرامِ طَرِيقُهُ
يَتْلُو رَعِيلَ المخلِصِينَ رَعِيلا
لا تَخطُرُ الأَرجاسُ فيهِ وَلا يُرَى
لِخُطاهُمُ في أَرْضِهِ تَنقِيلا
كَتِفاهُ بينهما علامَةُ مُلكِهِ
للَّهِ مُلكٌ لا يَزالُ أثيلا
مَن كانَ مِن حِزبِ الإلهِ فَلَم يَزَل
منه بِحُسْنِ عِنايَةٍ مَشْمُولا
هُوَ راكِبُ الجَمَل الَّذي سَقَطَتْ بهِ
أصْنامُ بابِلَ قد أتاكَ دَلِيلا
وَالغَرْسُ في البَدْوِ المُشار لِفَضْلِهِ
إنْ كُنْتَ تَجْهلُهُ فَسَلْ حِزْقِيلا
غُرِسَتْ بأَرْضِ البَدْوِ منه دَوْحَةٌ
لَمْ تَخْشَ مِنْ عَطَشِ الفَلاةِ ذُبُولا
فَأَتَتْكَ فاضِلَةَ الغُصُونِ وأَخرَجَت
ناراً لِمَا غَرَسَ اليَهُودُ أَكُولا
ذَهَبَتْ بِكَرْمَةِ قَوْمِ سَوءٍ ذُلِّلَتْ
بِيَدِ الغُرورِ قُطُوفُها تَذلِيلا
وَسَلو المَلائِكَةَ التي قد أَيَّدَتْ
قَيْدارَ تُبْدِي العِلَّةَ المَعْلولا
فأبَى أَقَلُّ العالَمِينَ عُقُولا
قَوْمٌ رَأَوْا بَشَرَاً كريماً فادَّعَوْا
مِنْ جَهْلِهِمْ للَّهِ فيهِ حُلولا
وَعِصَابَةٌ ما صَدَّقَتهُ وَأَكثَرَت
بالإِفكِ والبُهْتانِ فيهِ القِيلا
لَمْ يَأْتِ فيهِ مُفْرِطٌ ومُفَرِّطٌ
بالحَقِّ تَجرِيحاً وَلا تَعدِيلا
فكَأَنَّما جاءَ المَسِيحُ إليهمُ
لِيُكَذِّبُوا التَّوْراةَ والإِنْجِيلا
فاعجَب لِأُمَّتِهِ الّتي قد صَيَّرَتْ
تَنْزِيهَها لإِلهِها التَّنْكِيلا
وإِذا أرادَ اللَّهُ فِتْنَةَ مَعْشَرٍ
وَأَضَلَّهُمْ رَأَوُا القَبِيحَ جَمِيلا
هُمْ بَجَّلوهُ بِباطِلٍ فابْتَزَّهُ
أَعْداؤُهُ بالباطِلِ التَّبجِيلا
وتَقَطَّعُوا أَمْرَ العَقائِدِ بينهم
زُمَراً ألَم تَرَ عِقدَها مَحْلُولا
هَوَ آدَمٌ فِي الفَضْلِ إِلَّا أنّهُ
لَمْ يُعْطَ حالَ النَّفْخَةِ التَّكْمِيلا
أسَمِعْتُمُ أنَّ الإِلهَ لحَاجَةٍ
يَتَنَاوَلُ المَشْرُوبَ وَالمَأْكُولا
ويَنَامُ مِنْ تَعَبٍ وَيَدْعُو رَبَّهُ
ويَرُومُ مِنْ حَرِّ الهَجِيرِ مَقِيلا
ويَمَسُّهُ الألَمُ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِع
صَرْفَاً لَهُ عنهُ ولا تَحْوِيلا
يا ليتَ شِعْرِي حِينَ ماتَ بِزَعْمِهِم
من كانَ بالتَّدْبِيرِ عنه كَفِيلا
هَلْ كانَ هذا الكَوْنُ دَبَّرَ نَفْسَهُ
مِنْ بَعْدِهِ أَمْ آثَرَ التَّعْطِيلا
اجْزُوا اليَهُودَ بِصَلْبِهِ خَيْراً ولا
تُخْزُوا يَهُوذَا الآخِذَ البِرْطِيلا
زَعَمُوا الإلهَ فَدَى العَبيدَ بِنَفْسهِ
وأراهُ كانُ القاتِلَ المَقْتُولا
أيَكونُ قَوْمٌ في الجَحِيمِ ويَصْطَفِي
منهم كَلِيماً رَبُّنا وخَلِيلا
وإذا فَرَضْتُمْ أنَّ عيسى ربّكُمْ
أفَلَمْ يَكُنْ لِفِدَائِكُمْ مَبْذُولا
وأُجِلُّ رُوحاً قامَتِ المَوْتَى بهِ
عَنْ أَنْ يُرَى بِيَدِ اليَهودِ قَتِيلا
فَدَعُوا حديثَ الصَّلْبِ عَنْهُ ودُونكُمْ
مِن كُتبِكُم ما وافَقَ التَّنْزِيلا
شَهِدَ الزَّبُورُ بِحِفْظِهِ ونَجاتِهِ
أَفَتَجْعَلُونَ دَلِيلَهُ مَدْخُولا
أَيَكُونُ مَنْ حَفِظَ الإلهُ مُضَيَّعاً
أَوْ مَنْ أُشِيدَ بِنَصْرِهِ مَخْذُولا
أَيَجُوزُ قَوْلُ مَنَزِّهٍ لإِلههِ
سبحانَ قاتِلِ نَفْسِهِ فأَقُولا
أَو جَلَّ مَنْ جَعَلَ اليَهُودُ بِزَعمِكُمْ
شَوْكَ القَتادِ لِرَأْسِهِ إكلِيلا
ومَضَى بِحَمْلِ صَلِيبِهِ مُستَسلِماً
لِلموتِ مَكتُوفَ اليَدَينِ ذَلِيلا
كَم ذا أُبَكِّتُكُم وَلَمْ تَستَنكِفُوا
أنْ تَسْمَعُوا التَّبْكِيتَ والتَّخجِيلا
ضَلَّ النَّصارَى في المَسِيحِ وَأَقْسَمُوا
لا يَهْتَدُونَ إلَى الرَّشادِ سَبِيلا
جَعَلُوا الثَّلاثَةَ واحِداً وَلوِ اهتَدَوا
لَمْ يَجْعَلوا العَدَدَ الكَثيرَ قليلا
عَبَدُوا إلهاً مِنْ إلهٍ كائِناً
ذَا صُورَةٍ ضَلّوا بها وهَيُولَى
ضَلَّ النَّصارَى واليَهُودُ فلا تَكُنْ
بِهِم عَلَى سُبُلِ الهُدَى مَدلُولا
والمُدَّعُو التَّثلِيث قَوْمٌ سَوَّغُوا
ما خالف المنقولَ والمَعْقُولا
والعابِدُونَ العِجْلَ قد فُتِنُوا به
ودُّوا اتِّخاذَ المُرْسَلِينَ عُجُولا
فإذا أتَتْ بُشْرَى إليهِم كَذَّبُوا
بِهَوَى النُّفُوسِ وقُتِّلُوا تَقْتِيلا
وَكَفَى اليهودَ بأنهم قد مَثَّلُوا
مَعْبُودَهمْ بِعِبادِهِ تَمثيلا
وبأَنَّ إسرائيلَ صارعَ رَبَّهُ
ورَمَى به شُكْراً لإِسْرائيلا
وبأنَّهم رحَلُوا به في قُبَّةٍ
إذْ أَزْمَعُوا نَحْوَ الشآمِ رَحِيلا
وبِأنَّهمْ سَمِعُوا كلامَ إلهِهِمْ
وسَبِيلُهُم أنْ يَسْمَعُوا المَنْقُولا
وبِأنَّهمْ ضَرَبُوا لِيَسْمَعَ ربُّهُمْ
في الحَربِ بُوقاتٍ لَهُ وَطُبُولا
وبأَنَّ رَبَّ العالَمِينَ بَدا لَهُ
في خَلْقِ آدَمَ يَا لَهُ تَجْهِيلا
وبَدا لَهُ في قَوْمِ نوح وانثَنَى
أسَفاً يَعُضُّ بَنَانَهُ مَذْهُولا
وبِأَنَّ إبراهيمَ حاولَ أَكْلَهُ
خُبْزَاً وَرامَ لِرِجلِهِ تَغْسِيلا
وبأَنَّ أموالَ الطَّوائِفِ حُلِّلَتْ
لهُمُ رباً وخيانَةً وَغُلولا
وبِأنَّهم لَم يَخْرُجُوا مِنْ أَرضِهِم
فكأنّهم حسِبُوا الخُروجَ دُخُولا
وحَدِيثُهُم في الأَنبِياءِ فلا تَسَل
عنه وخَلِّ غِطاءهُ مَسْدُولا
لَم يَنتَهُوا عَن قَذفِ دَاوُودَ وَلا
لوطٍ فكيفَ بِقذْفِهِمْ رُوبِيلا
وَعَزَوْا إلَى يَعقُوبَ مِن أَولادِهِ
ذِكْراً مِنَ الفِعْلِ القَبِيحِ مَهولا
وَإلى المَسِيحِ وَأُمِّهِ وَكَفَى بها
صِدِّيقَةً حَمَلَتْ به وَبَتُولا
وَلِمَنْ تَعَلَّقَ بالصَّلِيبِ بِزَعمِهِم
لَعْناً يَعُودُ عليهمُ مكفولا
وَجَنَوْا عَلَى هارونَ بالعِجْلِ الّذي
نَسَبُوا لَهُ تَصْوِيرَهُ تَضْلِيلا
وَبأنَّ موسى صَوَّرَ الصُّوَرَ التي
ما حَلَّ منها نَهْيُهُ مَعْقُولا
ورَضُوا لهُ غَضَبَ الإِلهِ فلا عَدا
غَضَبُ الإلهِ عَدُوَّهُ الضِّلِّيلا
وبأنَّ سِحْراً ما اسْتطاعَ لآيَةٍ
منه وَلا اسطاعَتْ لهُ تَبْطِيلا
وبأنَّ ما أبْدَى لهُمْ مِنْ آيَةٍ
أبْدَوا إلَيهِ مْلَها تَخييلا
إِلَّا البَعُوضَ ولا يَزالُ مُعانِداً
لإِلهِهِ بِبَعُوضَةٍ مَخْذُولا
ورَضُوا لِمُوسى أنْ يقولَ فواحِشاً
خَتَمَتْ وَصِيَّتُهُ لهنَّ فصُولا
نَقَلوا فَواحِشَ عَن كليمِ اللَّهِ لَم
يَكُ مِثلُها عَنْ مِثلِهِ مَنُقُولا
وأَظُنُّهُمْ قد خالفوه فعجَّلتْ
لهُمُ العُقوبة بالخنا تعْجِيلا
وَشَكَتْ رِجالُهُمُ مَصادِرَ ذَيْلِها
ونِساؤُهُمْ غيرَ البُعُولِ بُعولا
لُعِنَ الَّذينَ رَأوْا سَبِيلَ مُحَمَّدٍ
وَالمُؤْمِنِينَ بِهِ أضَلَّ سَبِيلا
أَبْناءُ حَيَّاتٍ ألَم تَرَ أنّهم
يَجِدُونَ دِريَاقَ السُّمومِ قَتولا
مُذْ فارَقوا العِجْلَ الّذي فُتِنُوا به
وَدُّوا اتِّخاذَ الأنبياءِ عُجُولا
فإِذا أتَى بَشَرٌ إليهم كَذَّبُوا
بِهَوَى النُّفُوسِ وقُتِّلُوا تَقْتِيلا
أَخلَوا كِتابَ اللَّهِ مِن أَحكَامِهِ
عَدواً وَكانَ العامِرَ المَأهُولا
جَعلوا الحَرامَ بهِ حَلالاً وَالهُدَى
غَيّاً وَمَوْصولَ التُّقَى مَفْصُولا
وَدَعَاهُم ما ضَيَّعُوا مِنْ فَضْلِهِ
أنْ يَمْلَؤُوهُ مِنَ الكلامِ فُضُولا
كَتَمُوا العِبَادَةَ والمعادَ وَما رَعَوْا
لِلحَقِّ تَعجِيلاً وَلا تَأجِيلا
عَجَباً لَهُم وَالسَّبتُ بَيعٌ عِندَهُم
لَم يَلقَ منهُ المُشتَرُون مَقِيلا
هَلَّا عَصَوا في السَّبتِ يُوشَعَ إذ غَدا
يَدْعُو جُنُوداً للوَغَى وخُيُولا
أَو خالَفُوا هارُونَ في ذبحٍ وَفي
عَجْنٍ به لَمْ يُبْدِ عنهُ نُكُولا
أو أَلْحَقُوا بهما المَسِيحَ وَسَوَّغُوا ال
تَحْرِيمَ في الحالَيْنِ والتَّحْلِيلا
أو أثبَتُوا النَّسخَ الَّذي في كُتبِهم
قد نُصَّ عنْ شَعْيا وعَنْ يُوئِيلا
أوَ لَمْ يَرَوْا حُكْمَ العَتِيقَةْ ناسِخاً
أحكامَ كُتْبِ المُرْسَلِينَ الأُولى
أفَيَأنَفُ الكُفَّارُ أنْ يَستَدرِكُوا
قَوْلاً عَلَى خيرِ الوَرَى مَنحُولا
لا دَرَّ دَرُّهُمُ فإنَّ كلامَهم
يذَرُ الثَّرَى مِنْ أَدْمُعِي مَبْلولا
فكأنَّني ألفَيْتُ مُقْلَةَ فاقِدٍ
ثَكْلَى ومُوجَعَةٍ تُصِيبُ عَوِيلا
ظَنُّوا بربِّهِمُ الظُّنُونَ ورُسْلِهِ
وَرَمَوْا إناثاً بالأَذَى وَفُحُولا
إن يَبخسُوهُ بِكَيْلِ زُورٍ حَقَّهُ
فَلأُوسِعَنَّهُمُ الجزاءَ مَكِيلا
وَمِنَ الغَبِينَةِ أنْ يُجازي إفْكَهُم
صِدْقِي ولَسْنا في الكَلامِ شُكُولا
لَو يَصْدُقُونَ لَمَا أتَت رُسُلٌ لهُمْ
أتَرَى الطَّبِيبَ غَدَا يَزورُ عَلِيلا
إنْ أنكَرُوا فضلَ النبيِّ فإنّما
أرخَوا عَلَى ضَوءِ النَّهارِ سُدُولا
اللَّه أَكبَرُ إنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ
وكتَابَهُ أَقْوَى وَأَقْوَمُ قِيلا
طَلَعَت بهِ شمسُ الهِدَايَةِ لِلوَرَى
وَأبى لَها وصْفُ الكمالِ أُفُولا
والحَقُّ أَبْلَجُ في شريعَتِهِ الّتي
جَمَعَتْ فروعاً لِلْوَرَى وأُصُولا
لا تَذْكُروا الكتبَ السَّوالِفَ عندَهُ
طَلَعَ النَّهارُ فأَطْفِئُوا القِنْدِيلا
دَرَسَت معالِمُها ألا فاستَخبِرُوا
منها رُسوماً قد عَفَتْ وطُلُولا
تُخبِركُمُ التَّوراةُ أنْ قد بَشَّرَتْ
قِدْماً بأَحْمَدَ أَمْ بإسْماعِيلا
وَدَعَتهُ وَحشَ النَّاسِ كلُّ نَدِيَّةٍ
وَعَلَى الجَمِيعِ لَهُ الأَيادِي الطُّولَى
تَجِدُوا الصحيحَ مِنَ السَّقِيمِ فطالما
صَدَقَ الحَبِيبُ هَوَى المحِبِّ نُحولا
مَنْ مِثْلُ موسَى قد أُقِيمَ لأَهْلِهِ
مِنْ بَيْنَ إخْوَتِهِمْ سِواهُ رَسولا
أَو أنَّ إخْوَتَهمْ بنو العِيصِ الّذي
نُقِلَتْ بَكارَتُهُ لإِسْرائيلا
تَاللَّهِ ما كانَ المُرادُ به فَتَى
موسَى ولا عِيسَى وَلا شَمْوِيلا
إذْ لَنْ يَقُومَ لَهُمْ نَبِيٌّ مِثْلُهُ
منهم ولو كانَ النَّبِيُّ مَثيلا
طوبى لِمُوسى حينَ بَشَّرَ باسمِهِ
ولِسامِعٍ مِنْ فَضْلِهِ ما قيلا
وَجِبالُ فارانَ الرَّواسِي إنّها
نالت عَلَى الدُّنيا به التَّفضيلا
واستَخبِرُوا الإِنْجِيلَ عنه وحاذِرُوا
مِنْ لَفْظِهِ التَّحْرِيفَ والتَّبْدِيلا
إنْ يَدْعُهُ الإِنْجِيلُ فارِقْلِيطَهُ
فلَقَدْ دَعاهُ قبلَ ذلكَ إيلا
ودَعاهُ رُوحَ الحَقِّ لِلوَحيِ الّذي
يُتْلَى عَليه بُكْرَةً وَأَصِيلا
وأراهُ لا بِتَكلُّمٍ إِلَّا إذا
أرفَعتُ عنكم للإِلهِ مَقُولا
إنْ أنْطَلقْ عنكم يَكُنْ خيرٌ لكم
لِيَجِيئَكُمْ مَنْ تَرْتَضُوهُ بَدِيلا
يَأتِي على اسْمِ اللَّهِ منه مُبارَكٌ
ما كانَ مَوْعِدُ بَعْثِهِ مَمْطُولا
يَتْلُو كِتَابَ البَيِّنَاتِ كِتابُهُ
ويَرُدُّ أَمْثالِي به التَّأوِيلا
وَيُفَنِّدُ العُلَماءَ تَوْبِيخاً لَهُم
وكَفَاهُمُ بِخَطِيئَةٍ تَخْجِيلا
ويُزِيحُ مُلْكَ اللَّهِ منكم عَنوَةً
لِيُبيحَهُ أهلَ التُّقَى ويُنيلا
وكما شَهِدْتُ لهُ سَيَشهَدُ لِي إذا
صار العليمُ بما أتَيْتُ جَهُولا
يُبْدِي الحوادِثَ والغُيُوبَ حَدِيثُهُ
وَيسوسُكُمْ بالحَقِّ جِيلاً جِيلا
هُوَ صَخْرَةٌ ما زُوحِمَتْ صَدَمَتْ فلا
تَبْغُوا لها إلَّا النُّجُومَ وُعُولا
والآخِرونَ الأَوَّلونَ فَقَوْمُهُ
أَخَذُوا عَلَى العَمَلِ القَلِيلِ جَزِيلا
والمُنْحَمنَّا لا تَشْكُّوا إنْ أتَى
لَكُمُ فليسَ مَجِيئُهُ مَجْهُولا
وَهُوَ المُوَكَّلُ آخِراً بالكَرمِ لا
يَخْتَارُ مالِكُهُ عليه وكيلا
وَهوَ الَّذي مِن بعدِ يَحيَى جاءهم
إذْ كانَ يَحيَى لِلْمَسِيحِ رَسيلا
وَسَلُوا الزَّبورَ فإنَّ فيه الآن مِن
فصْلِ الخطابِ أوامِراً وفصولا
فهوَ الَّذي نَعَتَ الزَّبورُ مُقَلَّداً
ذا شَفْرَتَيْنِ مِنَ السُّيوفِ صَقِيلا
قُرِنَت بِهَيبَتِهِ شَريعَةُ دِينِهِ
فَأَراكَ أَخْذَ الكافِرِينَ وبِيلا
فاضَت عَلَى شَفَتَيْهِ رَحْمَةُ رَبِّهِ
فاستَشْفِ مِنْ تِلْكَ الشِّفاه عَلِيلا
وَلِغالِبٍ مِنْ حَمْدِهِ وَبَهَائِهِ
مَلأَ الأَعادِي ذِلَّةً وخُمولا
فِي أُمَّةٍ خُصَّتْ بِكلِّ كَرَامَةٍ
وتَفَيَّأَتْ ظِلَّ الصَّلاحِ ظَلِيلا
وَعَلَى مَضاجِعهِم وكلِّ ثَنِيَّةٍ
كلٌّ يُسِرُّ وَيُعلِنُ التَّهْلِيلا
رُهْبانُ لَيْلٍ أُسْدُ حَرْبٍ لم تَلِج
إِلَّا القَنا يَوْمَ الكَرِيهَةِ غِيلا
كم غادَروا الملك الجليلَ مُقَيَّداً
والقَرْمَ مِنْ أشْرَافِهِمْ مَغْلُولا
فاللَّهُ مُنتَقِمٌ بِهِم مِن كُلِّ مَنْ
يَبْغِي عَلَى الحَقِّ المُبينِ عُدُولا
أَعَجِبْتَ مِنْ مَلكٍ رَأَيْتَ مُقَيَّداً
وَشرِيفِ قَوْمٍ عِنْدَهمْ مَغْلولا
خَضَعَتْ مُلوكُ الأرضِ طائِعَةً لَهُ
وغَدا به قرْبانُهُمْ مَقْبُولا
ما زَالَ لِلمُستَضعَفِينَ مُؤَازِراً
وَأُلي الصَّلاحِ وَلِلعُفاةِ بَذُولا
لمْ يَدْعُهُ ذُو فاقَةٍ وضَرُورَةٍ
إِلَّا ونالَ بِجُودِهِ المَأْمُولا
ذاكَ الَّذِي لم يَدعُهُ ذُو فاقَةٍ
إِلَّا وكانَ لهُ الزَّمانُ مُنِيلا
تَبْقَى الصَّلاةُ عليهِ دائمَةً فَخُذ
وَصْفَ النبيِّ مِنَ الزُّبُورِ مَقُولا
وَكِتابُ شَعْيا مُخْبِرٌ عَنْ رَبِّهِ
فاسْمَعْهُ يُفْرِحُ قَلْبَكَ المَتْبُولا
عَبْدِي الَّذي سُرَّتْ به نَفسِي وَمَن
وَحْيِي عليه مُنزَّلٌ تَنزِيلا
لَمْ أُعْطِ ما أَعْطَيْتُهُ أَحَداً مِنَ ال
فَضْلِ العظيمِ وحَسْبُهُ تَخْوِيلا
يَأتِي فَيُظهِرُ في الوَرَى عَدْلِي وَلم
يَكُ بالهَوَى في حُكْمِهِ لِيَمِيلا
إنْ غَضَّ مِنْ بَصَرٍ وَمِنْ صَوْتٍ فما
غَضَّ التُّقَى والفَضلُ مِنهُ كلِيلا
فَتَحَ العُيُونَ العُورَ لكنَّ العِدا
عَنْ فضلِهِ صَرَفُوا العُيُونَ الحُولا
أَحيا القلوبَ الغُلفَ أَسمَعَ كلَّ ذِي
صَمَمٍ وَكَمْ داءٍ أزالَ دَخِيلا
يُوصِي إلى الأُمَمِ الوصايا مِثْلَمَا
يُوصِي الأَبُ البَرُّ الرَّحِيمُ سَلِيلا
لا تُضْحِكُ الدُّنيا لهُ سِنّاً وَما
لَمْ يُؤْتَ منها عَدَّهُ تَنوِيلا
منْ غيرُ أحمدَ جاءَ يَحْمَدُ رَبَّهُ
حَمْداً جَدِيداً بالمزِيدِ كَفِيلا
وَكِتابُهُ ما ليسَ يُطْفَأُ نُورُهُ
والحَقُّ مُنْقَادٌ إليه ذَلولا
خَصَمَ العِبادَ بِحُجَّةِ اللَّهِ الَّتي
أمْسَى بها عُذْرُ الوَرَى مَتْبُولا
فَرِحَتْ بهِ البَرِّيَّةُ القُصْوَى وَمَنْ
فيها وفاضَلَتِ الوُعُورُ سُهولا
فَزَهَت وَنالَت حُسنَ لُبنانَ الَّذي
لَولا كَرامَةُ أَحمَدٍ ما نِيلا
مُلِئت مَساكِنُ آلِ قَيْدارٍ به
عِزّاً وطابَتْ مَنْزِلاً ونَزِيلا
جَعَلُوا الكَرامَةَ لِلإِلهِ فَأُكرِمُوا
فاللَّه يَجْزِي بالجَمِيلِ جَمِيلا
وَلِبَيتِهِ الحَرَمِ الحرامِ طَرِيقُهُ
يَتْلُو رَعِيلَ المخلِصِينَ رَعِيلا
لا تَخطُرُ الأَرجاسُ فيهِ وَلا يُرَى
لِخُطاهُمُ في أَرْضِهِ تَنقِيلا
كَتِفاهُ بينهما علامَةُ مُلكِهِ
للَّهِ مُلكٌ لا يَزالُ أثيلا
مَن كانَ مِن حِزبِ الإلهِ فَلَم يَزَل
منه بِحُسْنِ عِنايَةٍ مَشْمُولا
هُوَ راكِبُ الجَمَل الَّذي سَقَطَتْ بهِ
أصْنامُ بابِلَ قد أتاكَ دَلِيلا
وَالغَرْسُ في البَدْوِ المُشار لِفَضْلِهِ
إنْ كُنْتَ تَجْهلُهُ فَسَلْ حِزْقِيلا
غُرِسَتْ بأَرْضِ البَدْوِ منه دَوْحَةٌ
لَمْ تَخْشَ مِنْ عَطَشِ الفَلاةِ ذُبُولا
فَأَتَتْكَ فاضِلَةَ الغُصُونِ وأَخرَجَت
ناراً لِمَا غَرَسَ اليَهُودُ أَكُولا
ذَهَبَتْ بِكَرْمَةِ قَوْمِ سَوءٍ ذُلِّلَتْ
بِيَدِ الغُرورِ قُطُوفُها تَذلِيلا
وَسَلو المَلائِكَةَ التي قد أَيَّدَتْ
قَيْدارَ تُبْدِي العِلَّةَ المَعْلولا
قراءة في كلمات الأغنية
أن تبقى قصيدة واحدة حيّة في الأداء اليومي سبعة قرون ونصف أمر يستحقّ تحليلاً لا مجرّد إعجاب. والسبب في بنيتها: البردة مقسّمة أقساماً واضحة — غزل مقدّمة، ثم تحذير من النفس، ثم مدح النبي، ثم مولده ومعجزاته والقرآن والجهاد، ثم توسّل — فصارت تصلح للإنشاد كاملة وللاقتطاع منها بحسب المجلس. وقوافيها ولوازمها مصمّمة للحفظ الجماعي. أضف إلى ذلك أنها كُتبت في لحظة مرض حقيقي، فحمل النصّ حاجة صادقة أعطته حرارة لا تُصنع. ولذلك عارضها كبار الشعراء بعده — ومنهم أحمد شوقي في «نهج البردة» — فما أزالوها عن موضعها.
تحليل تحريري أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.
قصة العمل
أصاب البوصيري فالج أذهب حركة شقّه، فنظم في تلك الحال قصيدته في مدح النبي، ثم رأى في منامه — كما تروي القصّة المشهورة — أن النبي ألقى عليه بردته، فأصبح معافى. ومن هذه الرؤيا جاء اسم القصيدة، فسُمّيت البردة. ثم انتشرت انتشاراً لا يُعرف لقصيدة عربية نظير: تُكتب على الجدران، وتُتّخذ للتبرّك، وتُحفظ في المدارس، وتُنشَد في الموالد من غرب أفريقيا إلى أرخبيل الملايو.
محتوى توثيقي أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.
معلومات ومفارقات
البردة من أوسع النصوص العربية انتشاراً على وجه الأرض بعد القرآن: تُرجمت إلى لغات كثيرة، وشُرحت مئات الشروح، ونُظمت لها التخميسات والمعارضات في كلّ عصر. وهي من قليل النصوص التي ما زالت تُنشَد جماعةً في القارّات الخمس.
معلومات توثيقية مختارة من إعداد أرشيف aama.sa.
عن الفنان: البوصيري
تعرف على المزيد →
سنة الميلاد:
1213
سنة الوفاة:
1294
البوصيري شاعر المعروف بأسلوبه الشعري المميز، ينتمي إلى العصر الأندلسي والمماليك في العالم العربي، ويضم الأرشيف عدداً من النصوص المنسبة إليه تُغنّى وُتُقرأ حتى اليوم. عاش/عاشت له حياة حافلة بالأحداث التاريخية،
المسيرة والإنجازات
من أبرز ما غُنّي لـالبوصيري: قل لولي الدولة المرتجى، أخبروني غضبة وصلفا، يا أيها السيد الذي شهدت، الصبح بدا من طلعته، أنشأت مدرسة ومارستانا، ما للنصارى إلي ذنب، قل لعلي الذي صداقته، أمن تذكر جيران بذي سلم، محمد أشرف الأعراب والعجم، إن النصارى واليهود معاشر، بقبة قبر الشافعي سفينة، قد أخذ المسلمون عكا، مسافر سارت أحاديثه، يهود بلبيس كل عيد، عرج برامة إنها لمرامي.
أعمال أخرى لـ البوصيري
تنويه حقوق:
النص الغنائي أعلاه مملوك لأصحاب حقوقه من شعراء وملحّنين وشركات إنتاج، ويُعرض هنا لغرض التوثيق والأرشفة المرجعية.
المادة التحريرية المصاحبة (بطاقة العمل، المعنى، القراءة، القصة، المصادر، نبذة الفنان) من إعداد فريق الموقع.
أصحاب الحقوق يمكنهم تقديم طلب إزالة عبر هذا النموذج.