خبر في الأرض أوحته السما
معروف الرصافي
(45) مشاهدة
«خبر في الأرض أوحته السما» — معروف الرصافي: النص الكامل مكتوباً وواضحاً للقراءة.
مقدمة تحريرية عن العمل — من إعداد أرشيف aama.sa.
كلمات أغنية «خبر في الأرض أوحته السما»
خبرٌ في الأرض أوحته السما
لأولي العلم برسل الفكر
أنّ هذي الأرض كانت أولا
ما ترى بحراً بها أو جبلا
أو سهولاً أو رُباً أو سُبُلا
أو رياضا زهرها الغضّ نما
من سحاب جادها بالمطر
إنما كانت كتلك الأخوات
من نجوم سائرات دائرات
حول شمس هي إحدى النيرات
كُنّ من قبلُ عليها سدما
كتلةً واحدة في النظر
ثم بعدُ انفصلت من ذا السديم
قطعٌ منها صغير وجسيم
ضمن أفلاك بها الدورَ تدُيم
فاستقرّ الكلّ فيها أنجما
حول غير الشمس لم تستدر
أولاً نبتون منه انفصلا
ثم اُورانِسُ يهدي زُحَلا
ثم للمشتري مريخٌ تلا
ثم هذي الأرض فالزهرة ما
بعدها غير أخيها الأشهر
وأخو الزهرة بالشمس
اقتدى ولها أقربَ سيّارٍ غدا
وهي سارت خلفهَ طول المدى
فأمام الأرض ذان انتظما
خلفها المريّخ ثم المشتري
أرضنا كانت لظىً مشتعله
مذ من الشمس غدت منفصله
لم تزل في دورها منتقله
كتلةً فيها اللهيب احتدما
وهي ترمي في الفضا بالشرر
كان فيح النار منها مُصعِدا
وهجاً في الجّو عنها مبعدا
حيث لا يمكن أن ينعقد
فوقها منه بخار ديما
هاطلاتِ بالحيا المنهمر
بقيت حيناً وهذا أمرها
وهي بالإشعاع يخبو حرّها
وانثنى يبرد من ذا ظهرها
فاكتست قشراً يحاكي الأدما
واستمرت بطنها في سعر
ثم قد صار على مرّ الزمان
قشرها يغلظ آناً بعد آن
بيد أن النار عند الهيجان
قد أعادت قشرها منخرما
بصدوع مُدهشات البصر
شخصت أطراف هاتيك الصدوع
بجبال شمخت منها الفروع
ولها في العين أشكال تروع
تقذف الأفواه منها حمما
صار منهنّ ركام الحجر
حصلت من قذف هاتيك المواد
حيث يجمدن جبال ووهاد
وركاز وصخور وجماد
بعضها دقّ وبعضٌ عظما
وهو صلب الجسم صعب المكسر
وهناك انعقدت فيها الغيوم
من بخار كان في الجوّ يعوم
رّده البرد مياهاً في التخوم
فجرى السيل عليها مفعما
كلّ غور فوقها منحدر
عمّها السيل فغطى حين سال
سطحها مجترفأ منها الرمال
فطما الماء ولكن الجبال
شخصت في الماء لما أن طما
وعلت كالسفن فوق الأبحر
غمر الماء بها ما غمرا
ثم خلّى بعضها منحسرا
محدثاً في السطح منها جزرا
أنزل الماء بها ما حطما
من أطفال وحتات المدر
بسيول الماء كم فيها ارتكم
من رمال رسبت فيها أكم
ولكم خدّت أخاديد وكم
قد بنت من طبقات علما
نضدت فيها صفيح المرمر
ثم صارت وهي من قبل موات
تصلح الأقطار منها للحياة
فانبرت تنبت في البدء النبات
ثم أبدت من قواها النسما
وارتقت فيها لنوع البشر
فغدت إذ ذاك تزهو بالرياض
وبها الأدواح تنمو في الغياض
ثم ترميها أكفّ الانقراض
بانحطام حيث تُمسي فحما
حجرياً بمرور الأعصر
من حطام الخلق في الأرض هضاب
كوَّنتهن أكفّ الانقلاب
ما تراب الأرض والله تراب
إنما ذاك حطام قدما
من جسوم باليات الكسر
كم على الأرض رفاتٌ باليات
من جسوم طحنتها الدائرات
فاحتفر في الأرض تلك الطبقات
تجد الانقاض فيها رمما
هي للأحياء أو للشجر
كل وجه الأرض للخلق قبور
خفّف الوطء على تلك الصدور
والعيون النجلِ منهم والثغور
إنما أنت ستفنى مثلما
قد فَنُوا والموت دامي الظفُر
ظلت الأرض على كرّ الدهور
تبحر الأجبل فيها والبحور
فوقها تجبِل والماء يغور
على ذاك استدلّ الحكما
بجبال السمك المستحجر
علماء الأرض لم تبرح ترى
حَيَوان البرّ لما دثرا
منه في الأبحر أبقى أثرا
وكذا في البرّ ألفى العلما
أثراً من حيوان الأبحر
كل ما في الأرض من قفر وبيد
وجبال شهقت فوق الصعيد
عن زهاء الربع منها لا يزيد
وسوى ذلك منها انكتما
تحت ماء البحر لم ينَحسر
في صعيد الأبحر المنغمس
مثلُ ما يوجد فوق اليبس
من جبال ناتئات الأرؤس
ووهادٍ تستزل القدما
ورُباً مختلفات القدر
ما نرى اليوم من الماء الحميم
والبراكين التي تحكي الجحيم
ومن الزلزال ذي الهول العظيم
دلّ أن الأرض فيما قدما
ذات جرم ذائب مستعر
كل ما كان بحال السيلان
فهو يغدو كرةً بالدوران
وكذاك الأرض في ماضي الزمان
كروياً قد غدا ملتئما
جِرمها من سيلان العنصر
ثم أن الأرض من قبل الجمود
وَلَدت منها وليست بالولود
قمراً دار عليها بسعود
وجَلا في الليل عنها الظلما
فهي بنت الشمس أم القمر
لأولي العلم برسل الفكر
أنّ هذي الأرض كانت أولا
ما ترى بحراً بها أو جبلا
أو سهولاً أو رُباً أو سُبُلا
أو رياضا زهرها الغضّ نما
من سحاب جادها بالمطر
إنما كانت كتلك الأخوات
من نجوم سائرات دائرات
حول شمس هي إحدى النيرات
كُنّ من قبلُ عليها سدما
كتلةً واحدة في النظر
ثم بعدُ انفصلت من ذا السديم
قطعٌ منها صغير وجسيم
ضمن أفلاك بها الدورَ تدُيم
فاستقرّ الكلّ فيها أنجما
حول غير الشمس لم تستدر
أولاً نبتون منه انفصلا
ثم اُورانِسُ يهدي زُحَلا
ثم للمشتري مريخٌ تلا
ثم هذي الأرض فالزهرة ما
بعدها غير أخيها الأشهر
وأخو الزهرة بالشمس
اقتدى ولها أقربَ سيّارٍ غدا
وهي سارت خلفهَ طول المدى
فأمام الأرض ذان انتظما
خلفها المريّخ ثم المشتري
أرضنا كانت لظىً مشتعله
مذ من الشمس غدت منفصله
لم تزل في دورها منتقله
كتلةً فيها اللهيب احتدما
وهي ترمي في الفضا بالشرر
كان فيح النار منها مُصعِدا
وهجاً في الجّو عنها مبعدا
حيث لا يمكن أن ينعقد
فوقها منه بخار ديما
هاطلاتِ بالحيا المنهمر
بقيت حيناً وهذا أمرها
وهي بالإشعاع يخبو حرّها
وانثنى يبرد من ذا ظهرها
فاكتست قشراً يحاكي الأدما
واستمرت بطنها في سعر
ثم قد صار على مرّ الزمان
قشرها يغلظ آناً بعد آن
بيد أن النار عند الهيجان
قد أعادت قشرها منخرما
بصدوع مُدهشات البصر
شخصت أطراف هاتيك الصدوع
بجبال شمخت منها الفروع
ولها في العين أشكال تروع
تقذف الأفواه منها حمما
صار منهنّ ركام الحجر
حصلت من قذف هاتيك المواد
حيث يجمدن جبال ووهاد
وركاز وصخور وجماد
بعضها دقّ وبعضٌ عظما
وهو صلب الجسم صعب المكسر
وهناك انعقدت فيها الغيوم
من بخار كان في الجوّ يعوم
رّده البرد مياهاً في التخوم
فجرى السيل عليها مفعما
كلّ غور فوقها منحدر
عمّها السيل فغطى حين سال
سطحها مجترفأ منها الرمال
فطما الماء ولكن الجبال
شخصت في الماء لما أن طما
وعلت كالسفن فوق الأبحر
غمر الماء بها ما غمرا
ثم خلّى بعضها منحسرا
محدثاً في السطح منها جزرا
أنزل الماء بها ما حطما
من أطفال وحتات المدر
بسيول الماء كم فيها ارتكم
من رمال رسبت فيها أكم
ولكم خدّت أخاديد وكم
قد بنت من طبقات علما
نضدت فيها صفيح المرمر
ثم صارت وهي من قبل موات
تصلح الأقطار منها للحياة
فانبرت تنبت في البدء النبات
ثم أبدت من قواها النسما
وارتقت فيها لنوع البشر
فغدت إذ ذاك تزهو بالرياض
وبها الأدواح تنمو في الغياض
ثم ترميها أكفّ الانقراض
بانحطام حيث تُمسي فحما
حجرياً بمرور الأعصر
من حطام الخلق في الأرض هضاب
كوَّنتهن أكفّ الانقلاب
ما تراب الأرض والله تراب
إنما ذاك حطام قدما
من جسوم باليات الكسر
كم على الأرض رفاتٌ باليات
من جسوم طحنتها الدائرات
فاحتفر في الأرض تلك الطبقات
تجد الانقاض فيها رمما
هي للأحياء أو للشجر
كل وجه الأرض للخلق قبور
خفّف الوطء على تلك الصدور
والعيون النجلِ منهم والثغور
إنما أنت ستفنى مثلما
قد فَنُوا والموت دامي الظفُر
ظلت الأرض على كرّ الدهور
تبحر الأجبل فيها والبحور
فوقها تجبِل والماء يغور
على ذاك استدلّ الحكما
بجبال السمك المستحجر
علماء الأرض لم تبرح ترى
حَيَوان البرّ لما دثرا
منه في الأبحر أبقى أثرا
وكذا في البرّ ألفى العلما
أثراً من حيوان الأبحر
كل ما في الأرض من قفر وبيد
وجبال شهقت فوق الصعيد
عن زهاء الربع منها لا يزيد
وسوى ذلك منها انكتما
تحت ماء البحر لم ينَحسر
في صعيد الأبحر المنغمس
مثلُ ما يوجد فوق اليبس
من جبال ناتئات الأرؤس
ووهادٍ تستزل القدما
ورُباً مختلفات القدر
ما نرى اليوم من الماء الحميم
والبراكين التي تحكي الجحيم
ومن الزلزال ذي الهول العظيم
دلّ أن الأرض فيما قدما
ذات جرم ذائب مستعر
كل ما كان بحال السيلان
فهو يغدو كرةً بالدوران
وكذاك الأرض في ماضي الزمان
كروياً قد غدا ملتئما
جِرمها من سيلان العنصر
ثم أن الأرض من قبل الجمود
وَلَدت منها وليست بالولود
قمراً دار عليها بسعود
وجَلا في الليل عنها الظلما
فهي بنت الشمس أم القمر
قراءة في كلمات الأغنية
الرصافي والزهاوي معاً هما ما أخرج الشعر العراقي من المدح إلى المجتمع، لكنهما فعلا ذلك على وجهين مختلفين: الزهاوي بالفكرة المجرّدة والجدل العقلي، والرصافي بالمشهد المحسوس. فهو يبني القصيدة على صورة واقعية — امرأة، طفل، حالة يراها المارّ في الطريق — ثم يستنطقها الحكم الاجتماعي. وهذه طريقة أقرب إلى الصحافة والقصّ منها إلى الغزل والفخر، وهي التي جعلت شعره يبقى في الذاكرة الشعبية العراقية أكثر من بقاء شعر معاصريه. وخصومته مع الزهاوي، على حدّتها، كانت من أخصب ما حرّك الحياة الأدبية في بغداد.
تحليل تحريري أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.
قصة العمل
لم يكن الرصافي شاعر بلاط ولا شاعر صالون، بل شاعراً يكتب عن اليتيم والأرملة والفقير والمرأة المحجوبة عن التعليم، في زمن كان أكثر الشعر يتّجه إلى الأمراء. وقد دخل السياسة نائباً في العهد العثماني، ثم لمّا قامت الدولة العراقية لم يجد فيها موضعاً يرضاه، فبقي على خصومة مع أهل الحكم حتى آخر عمره. ومات سنة 1945 في فقر شديد لا يشبه مكانته — وهي نهاية تُذكَر عنه كلّما ذُكر اسمه.
محتوى توثيقي أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.
معلومات ومفارقات
خصومته الأدبية مع الزهاوي من أشهر الخصومات في الأدب العربي الحديث، وكانت تُتابع في الصحف كما تُتابع المباريات. وله كتاب «الشخصية المحمّدية» الذي أثار جدلاً واسعاً ولم يُنشر في حياته.
معلومات توثيقية مختارة من إعداد أرشيف aama.sa.
عن الفنان: معروف الرصافي
تعرف على المزيد →
بلد المنشأ:
العراق
سنة الميلاد:
1875
سنة الوفاة:
1945
معروف الرصافي شاعر المعروف بأسلوبه الشعري المميز، ينتمي إلى العصر الحديث والمعاصر في العراق، ويضم الأرشيف عدداً من النصوص المنسبة إليه تُغنّى وُتُقرأ حتى اليوم. عاش/عاشت له حياة حافلة بالأحداث التاريخية، ويُعد من رواد النهضة الشعرية في العراق مع الجواهري والزهاوي، وتميز شعره بالتعبير عن قضايا المجتمع والوطن، وله ديوان مطبوع ظل يُدرَّس عقوداً.
المسيرة والإنجازات
قدّم معروف الرصافي نصوصاً شعرية غنّاها كثير من المطربين، وتبرز من رصيده الغنائي أعمال مثل: قل لنجلا نجلا أبي اللمع إني، سمي المصطفى لا زلت تعلو، تفكرت في كنه الحياة فلم أكن، نحن للحرب العوان، أما وقد طلع الرجاء، نعمت الدار للنفيض دارا، زهرة قد بدت من الأكمام، حي هل يا أخا مصر، إن العراق بعرضه وبطوله، أيها القوم مالكم في جمود، قل للحجابيين كيف ترونكم، أرى الأيام ظامئة وليست، لله سر في الأنام مطلسم، نحن من أرضنا على منطاد، دار ذا الدهر مداره. يعكس هذا الإرث تنوّع اهتماماته الشعرية وقدرته على تجسيد المشاعر الإنسانية بألفاظ بليغة.
أعمال أخرى لـ معروف الرصافي
تنويه حقوق:
النص الغنائي أعلاه مملوك لأصحاب حقوقه من شعراء وملحّنين وشركات إنتاج، ويُعرض هنا لغرض التوثيق والأرشفة المرجعية.
المادة التحريرية المصاحبة (بطاقة العمل، المعنى، القراءة، القصة، المصادر، نبذة الفنان) من إعداد فريق الموقع.
أصحاب الحقوق يمكنهم تقديم طلب إزالة عبر هذا النموذج.