ما للديار تراءى وهي أطلال

معروف الرصافي

(48) مشاهدة


نص «ما للديار تراءى وهي أطلال» للشاعر معروف الرصافي مكتوباً بالكامل مع إمكانية النسخ والمشاركة.
مقدمة تحريرية عن العمل — من إعداد أرشيف aama.sa.

كلمات أغنية «ما للديار تراءى وهي أطلال»

ما للديار تراءى وهي أطلال
هل خفّ بالقوم عنها اليوم ترحال
كانت بها السمرات الخضر زاهية
واليوم لا سمر فيها ولا ضال
ما بالها وهي أنقاض مبعثرة
تغبرّ فيهن أبكار وآصال
هل هذّ بنيانها من فوقُ صاعقة
أوهدَ بنيانها من تحتُ زلزال
بل قد عفتها فلم تترك بها أثراً
ريح لها من لهيب النار أذيال
شبّ الحريق بها ليلاً مشيّدةً
فما أتى الصبح إلاّ وهي أطلال
أنارت النار في أطرافها رهجاً
من الدخان كأن النار أبطال
حتى حكت معركاً خرّت بساحته
صرعى بُيوت وأموال وآمال
دار السعادة أمست من تحرّقها
دار الشقاء وقد ضاقت بها الحال
ترنو إلى البحر ترجو نقع غلَتها
لحظ المهّجر إذ يبدو له الآل
تنهال كالرمل بالنيران أدؤرها
حتى تكاد لها الأرواح تنهال
يا ريح مهلاً فلا تُذري الرماد بها
إن الرماد الذي تذرين أموال
قد رُحت للحيّ مذعوراً أيمّمه
ولي عن الزُمَر الباكين تسآل
وفي العراص ديار القوم خاوية
وفي الشوارع نِسوان وأطفال
جلسنَ والشمس فوق الرأس دانية
وللغبار بعرض الحيّ تجوال
ولا خمار فيرددن الغبار به
ولا يقيهنّ حرّ الشمس سربال
حتى وقفت وقلبي كلّه جزع
وأدمعي لجج طوراً وأوشال
ما أنسَ لا أنس أم الطفل قاتلةَ
وفوق وجنتها للدمع تهطال
إني تجرّدت من دنياي حاسرةً
مالي سوى طفليَ الباكي بها مال
أي امرئ بعد هذا اليوم ذي جدة
يَعُولني حيث لا زوج ولا آل
أودى الحريق بدار كنت أسكنها
وكنت من بعضها للقوت اكتال
واليوم أصبحت لا دار ولا وزر
آوي إليه ولا عم ولا خال
أن الحريق خبت نيرانه ومضت
وما خبت في فؤادي منه أو جال
يا ربّ رحماك إني اليوم عاجزة
عمّادها وبظهري منه أثقال
يا رب قد ضقت ذرعاً بالحياة فما
أدري حنانيك ربّي كيف أحتال
وعندما قد شجاني من مقالتها
لفظ يقطعّه في البين أعوال
دنّوت منها قليلاً وهي باكية
ومن بكاها بقلبي هاج بلبال
حتى وقفت وإيناساً لوحشتها
حنَيت رأسي وحني الرأس اجلال
وقلت يا أخت لا تستَيئسي جزعاً
فإنما الدهر ادبار واقبال
أتَجزعين ابتئاساً بين أظهرنا
وكلّنا عنك للبأساء حمّال
مالي أراك بعين اليأس باكيةً
كأنّ أمرك عند القوم اهمال
ألست من أمة أيدي الرجال بها
قد فكّ عنهنّ بالدستور أغلال
حتى لقد أصبحوا أبناء واحدة
في المرزئات وهم في الحكم أشكال
مستعصمين بحبل من أخُوَّتهم
يسمو بهم للعلا فضل وافضال
أمسى التعاضد كالحصن الحصين لهم
إذا تصادم بالأهوال أهوال
فاستبشري اليوم فيما مسّ من ظمأ
بأنّ وردك عند القوم سلسال
وإن حقَّك عول في مساكنهم
وما همو بأداء الحق بخّالَ
تلك التي قد شجتني في مقالتها
وكم لها في نساء الحيّ أمثال
فهل يصدّق قومي ما ظننت بهم
حتى تقوم لهم في المجد أفعال
فالمجد يدرك مرماه البعيد فتىً
رحب الذراعَين طلق الكف مفضال
وأكثر المال حمداً ما يعان به
من عضّهم من نيوب الدهر اقلال
يا قوم هذي سبيل العرف واضحةٌ
فَليمض فيها بكم وخد وارقال
ومَن تك الحال فيها لا تساعده
فليُسعِد النطق أن لم تسعد الحال

قراءة في كلمات الأغنية

الرصافي والزهاوي معاً هما ما أخرج الشعر العراقي من المدح إلى المجتمع، لكنهما فعلا ذلك على وجهين مختلفين: الزهاوي بالفكرة المجرّدة والجدل العقلي، والرصافي بالمشهد المحسوس. فهو يبني القصيدة على صورة واقعية — امرأة، طفل، حالة يراها المارّ في الطريق — ثم يستنطقها الحكم الاجتماعي. وهذه طريقة أقرب إلى الصحافة والقصّ منها إلى الغزل والفخر، وهي التي جعلت شعره يبقى في الذاكرة الشعبية العراقية أكثر من بقاء شعر معاصريه. وخصومته مع الزهاوي، على حدّتها، كانت من أخصب ما حرّك الحياة الأدبية في بغداد.
تحليل تحريري أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.

قصة العمل

لم يكن الرصافي شاعر بلاط ولا شاعر صالون، بل شاعراً يكتب عن اليتيم والأرملة والفقير والمرأة المحجوبة عن التعليم، في زمن كان أكثر الشعر يتّجه إلى الأمراء. وقد دخل السياسة نائباً في العهد العثماني، ثم لمّا قامت الدولة العراقية لم يجد فيها موضعاً يرضاه، فبقي على خصومة مع أهل الحكم حتى آخر عمره. ومات سنة 1945 في فقر شديد لا يشبه مكانته — وهي نهاية تُذكَر عنه كلّما ذُكر اسمه.
محتوى توثيقي أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.

معلومات ومفارقات

خصومته الأدبية مع الزهاوي من أشهر الخصومات في الأدب العربي الحديث، وكانت تُتابع في الصحف كما تُتابع المباريات. وله كتاب «الشخصية المحمّدية» الذي أثار جدلاً واسعاً ولم يُنشر في حياته.
معلومات توثيقية مختارة من إعداد أرشيف aama.sa.
معروف الرصافي
بلد المنشأ: العراق
سنة الميلاد: 1875
سنة الوفاة: 1945
معروف الرصافي شاعر المعروف بأسلوبه الشعري المميز، ينتمي إلى العصر الحديث والمعاصر في العراق، ويضم الأرشيف عدداً من النصوص المنسبة إليه تُغنّى وُتُقرأ حتى اليوم. عاش/عاشت له حياة حافلة بالأحداث التاريخية، ويُعد من رواد النهضة الشعرية في العراق مع الجواهري والزهاوي، وتميز شعره بالتعبير عن قضايا المجتمع والوطن، وله ديوان مطبوع ظل يُدرَّس عقوداً.
المسيرة والإنجازات
قدّم معروف الرصافي نصوصاً شعرية غنّاها كثير من المطربين، وتبرز من رصيده الغنائي أعمال مثل: قل لنجلا نجلا أبي اللمع إني، سمي المصطفى لا زلت تعلو، تفكرت في كنه الحياة فلم أكن، نحن للحرب العوان، أما وقد طلع الرجاء، نعمت الدار للنفيض دارا، زهرة قد بدت من الأكمام، حي هل يا أخا مصر، إن العراق بعرضه وبطوله، أيها القوم مالكم في جمود، قل للحجابيين كيف ترونكم، أرى الأيام ظامئة وليست، لله سر في الأنام مطلسم، نحن من أرضنا على منطاد، دار ذا الدهر مداره. يعكس هذا الإرث تنوّع اهتماماته الشعرية وقدرته على تجسيد المشاعر الإنسانية بألفاظ بليغة.

أعمال أخرى لـ معروف الرصافي

تنويه حقوق: النص الغنائي أعلاه مملوك لأصحاب حقوقه من شعراء وملحّنين وشركات إنتاج، ويُعرض هنا لغرض التوثيق والأرشفة المرجعية. المادة التحريرية المصاحبة (بطاقة العمل، المعنى، القراءة، القصة، المصادر، نبذة الفنان) من إعداد فريق الموقع. أصحاب الحقوق يمكنهم تقديم طلب إزالة عبر هذا النموذج.
تصحيح الكلمات