من كان يعذب عندها تعذيبي

ابن حمديس

(44) مشاهدة


«من كان يعذب عندها تعذيبي» — ابن حمديس: النص الكامل مكتوباً وواضحاً للقراءة.
مقدمة تحريرية عن العمل — من إعداد أرشيف aama.sa.

كلمات أغنية «من كان يعذب عندها تعذيبي»

مَن كانَ يعذُبُ عندها تعذيبي
أَنّى تَرقّ لِعبرتي ونَحيبي
مِن أَين يَعلَمُ من ينام مسلَّماً
حُمَةً تؤرِّق مُقلةَ الملسوبِ
أَتَدبُّ في جَفنَيه طائِفة الكرى
وعقاربُ الأصداغ ذاتُ دبيبِ
وتَنامُ في وَردِ الخُدودِ ولَدغها
متسرّب من أعينٍ لِقُلوبِ
وكأنّما سَمٌّ مُذيبٌ مسكُها
أَيُذيبُني والمِسكُ غَير مُذيبِ
كيفَ السّبيلُ إِلى لِقاءِ غَريرة
تَلقى ابتِسامَ الشّيبِ بالتَقطيبِ
مِن أَينَ أرجو أَن أَفوزَ بِسَلمِها
والحَربُ بين شَبابِها وَمَشيبي
ما حبّ شَمس عَنكَ تَغرِبُ في الفَلا
مِن أَنجُمٍ طلعَت بِغَيرِ غروبِ
قالَت لمنشدها نسيبي ما لهُ
ليس النّسيب لمثله بنسيبِ
فإلام ينشدني تغزّلَ شاعرٍ
ما كان أولاه بوعظِ خطيبِ
يا هذه أصَدىً دعَوت مُرَدّداً
ليجيب منكَ فكان غير مجيبِ
ليتَ التفاتي في القَريض أعرتهِ
حُسْنَ التفاتك رحمةً لكئيبِ
وذكرت من ضربِ المرفّل صيغةً
بمرفّل من ذلكَ المسحوبِ
وعسى وعيدُك لا يضير فلم أجِدْ
في البحر ضرباً مؤلمَ المضروبِ
إنّ الزمانَ أصابني بزمانةٍ
أبلت بتجديدِ الحَياة قَشيبي
ففنيتُ إلّا ما تطالع فكرتي
بالحذق من حِكَمي ومن تجريبي
ووجدتُ علم الشعر أخفى من هوىً
لم تفشِهِ عينٌ لعين رقيبِ
ومدائحُ الحسنِ المبخّرَة التي
فغمتْ بِطيبِ الفخر أَنفَ الطيبِ
ذو همَّةٍ بَذَلَ الندى وحمى الهدى
بمهنّدٍ ذَرِبٍ بكفِّ ضروبِ
حامي الحقيقة عادلٌ لا تتّقي
في أرضه شاةٌ عداوةَ ذيبِ
ملكٌ غدا للعيد عيداً مُبْهجاً
هُمُعُ العلى حوليه ذات ضروبِ
وَرَدَ المصلّى في جلال مُعَظّمٍ
ووَقارِ مُختَشِع وسمتِ منيبِ
بعرَمرَم رَكبت لإِرجالِ العِدى
عقبانُ جوٍّ فيه أُسْدَ حروبِ
عُقِدَ اللواءُ به على ذي هيبةٍ
حالي المناسبِ بالكرامِ حسيبِ
والبُزلُ تجنحُ بالقبابِ تهادياً
عَوْمَ السفينِ بشمألٍ وجنوبِ
من كلّ رهوٍ في المقادة مشيُهُ
نَقلَ الخطى منه على ترتيبِ
وكأنّما تعلو غواربها رُبى
روضٍ بثجّاج الحيا مَهْضوبِ
ونَجائبٍ مثل القِسيِّ ضوامرٍ
وَصَلَت بقطعِ سَباسِبٍ وسهوبِ
من كلّ مختصرِ الفلاةِ بمُعجلٍ
فكأنها إيجازُ لفظِ أديبِ
يرعى الفلا بفمٍ وترعى نحضَهُ
من منْسَمٍ للمَروِ ذي تشذيبِ
ومطلةٍ في الخافقين خوافقٍ
كقلوب أعداءٍ ذَواتِ وجيبِ
من كلّ منشورٍ على أفق الوَغى
مسطورُهُ كالمُهْرَقِ المكتوبِ
جاءَتْ تتَرّبُهُ العتاقُ بنقعها
والريح تنفضه منَ التَتريبِ
أو كلّ ثعبانٍ يُناطُ بقَسْوَرٍ
بين البنود كمُحْنَقٍ وغَضُوبِ
صُوَر خُلِعْنَ على المَواتِ فخيلت
فيها الحياة بسورةٍ ووثوبِ
وفغرنَ أفواهاً رحاباً عُطّلَتْ
أشداقها من ألْسُنٍ ونيوبِ
من كلّ شخصٍ يحتسي من ريحِهِ
روحاً يحرّك جسمَه بهبوبِ
وترى بها العنقاءَ تنفضُ سِقْطَها
في نَفْنَفٍ للحائماتِ رحيبِ
وَصلتْ ذُرى المَهدِيّتين وهاجرَتْ
وكراً لها بالهِند غيرَ قريبِ
وصواهلٍ مثل العواسل عَدْوُهَا
أبداً لحربِ عدوّك المحروبِ
من كلّ وردٍ ما يشاكلُ لونَهُ
إلا تورّدُ وجنةِ المحبوبِ
وكأنّما كَنَزَتْ ذخيرةُ عِتْقِهِ
مِنهُ عبابَ البحر في يَعبوبِ
أَو أَدهمٍ داجي الإِهابِ كَأنّما
صَبَغَ الغرابَ بِلَونِهِ الغربيبِ
أرساغُهُ دُرَرٌ على فيروزجٍ
لان الصفا من وقعهِ لصليبِ
يعدو ولا ظلٌّ له فكأنّهُ
بَرق فَيا لِلبرقِ مِن مركوبِ
أَو أَشهبٍ مثل الشهابِ ورَجمهِ
شخصَ المريدِ بِمُحرقٍ مشبوبِ
لا فرقَ ما بين الصباحَ وبينه
إلّا بِعَدْوٍ منه أو تقريبِ
أو أصفرٍ مثل البهار مغيّر
بسواد عَرْفٍ عَن سَوادِ عسيبِ
أو أشعلٍ للون فيه شُعْلَةٌ
تُذْكى بريحٍ منه ذاتُ هبوبِ
وكأنّه مرداة صخرٍ حَطّهُ
من عَلْوَ سيلٌ ماجَ في تَصويبِ
وكأنّما سَكِرَ الكميتُ بلونه
فلَهُ بمشيتِهِ اختيالُ طروبِ
وكأنّ حدّة طرفه وفؤادِه
من خَلْقِهِ في الأذنِ والعرقوبِ
وجَلَتْ سروجُ الحَلْيِ فوق متونها
سُرُجاً تألّقُ وهي ذاتُ لهيبِ
صَدَرَتْ منَ الذَهَب الثَقيلِ خِفافُها
ونشاطها متخثّرٌ بلغوبِ
وكأنّما من كلّ شمسٍ حلية
صيغتْ لكلّ مُسَوّمٍ مَجْنوبِ
صلّيتَ ثم قفوتَ مِلّةَ أحْمَدٍ
في نَحْرِ كلّ نجيبةٍ ونَجيبِ
مِن كُلّ مُرتَفِعِ السنام تَحمّلتْ
فيه المُدَى بالفرْيِ والتّرغيبِ
حيثُ الندى بعفاتِه مُتبرحٌ
تُسْديه كفّ متوَّج محجوبِ
يا من قوافينا مخافةَ نَقْدِهِ
خَلُصَتْ منَ التَنقيحِ وَالتَهذيبِ
لَم يَبقَ في الدنيا مَكان غَير ذا
يُجْري المديحَ به ذوو التأويبِ
خُذها عَروسَ مَحافل لا تجتلى
إلا بحلي علاك فَوقَ تَريبِ
لَم يَخرج الدرُّ الَّذي زينت به
إلّا بغوصٍ في البُحورِ قَريبِ
أَما بَناتي المفرداتِ فإنَّها
في الحُسنِ أَشهر من بناتِ حبيبِ
لا ينكحُ العذراءَ إلا ماجدٌ
تَبقَى بِعصمَتِه بقاءَ عسيبِ
وأنا أبو الحسناءِ والغرّاءِ إنْ
أُغْرِبْ فما الإغرابُ لي بغريبِ
يَدعو لكَ الحجّاجُ عند عجيجهم
وصِياحِهِمْ بالبيتِ في ترجيبِ
من كلّ أشعثَ مُحْرِمٍ بلغ المُنَى
بِمِنىً وأدركَ غايةَ المطلوبِ
يبكي بمكّة والحجونِ مُرَدّداً
وبيثربٍ يدعو بلا تَثريبِ
فَبَقيتَ في العليا لتدميرِ العِدَى
وغِنى الفَقير وفرجةِ المَكروبِ

قراءة في كلمات الأغنية

المنفى ليس موضوعاً من موضوعات ابن حمديس، بل هو البنية التي يقوم عليها ديوانه كلّه. وصقلّيته ليست الجزيرة كما هي، بل كما بقيت في ذاكرة فتى غادرها ولم يرها بعدُ رجلاً: أنهارها أصفى ممّا كانت، ولياليها أطول، لأن الذاكرة لا تصف بل تُثبّت. ومن هنا تأتي حرارته وتأتي محدوديته معاً — فهو يكتب عن مكان توقّف عنده الزمن. وقيمته التاريخية أنه المصدر الأدبي الأوّل عن حضارة عربية في صقلّية لم يبقَ منها إلا القليل.
تحليل تحريري أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.

قصة العمل

خرج ابن حمديس من سرقوسة وهو في نحو الخامسة والعشرين والنورمان يطبقون على الجزيرة، فنزل إشبيلية في بلاط المعتمد بن عبّاد فوجد فيه ملكاً شاعراً يفهمه. ثم سقط المعتمد بيد المرابطين ومات أسيراً في أغمات، فعاد ابن حمديس إلى التشرّد بين المهدية وبجاية وجزر الغرب. عمّر نحو ثمانين سنة، وكُفّ بصره في آخرها، ومات بعيداً عن صقلّية بستّين سنة — وتختلف المصادر في موضع قبره بين ميورقة وبجاية.
محتوى توثيقي أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.

معلومات ومفارقات

فقد بصره في أواخر عمره فظلّ ينظم، وطالت به الحياة حتى رأى أكثر ممدوحيه يموتون قبله. وشعره اليوم مادّة أساسية لمؤرّخي صقلّية الإسلامية، يُرجع إليه في وصف مدنها وعمرانها وحياتها، لأن ما سواه من شهادات عربية عن الجزيرة قليل ومتناثر.
معلومات توثيقية مختارة من إعداد أرشيف aama.sa.
ابن حمديس
بلد المنشأ: طائفة إشبيلية
سنة الميلاد: 1056
سنة الوفاة: 1133
يُعتبر ابن حمديس شاعر بارزاً من العالم العربي، عاش/عاشت في العصر العباسي، وترك/تركت بصمة واضحة في الأدب العربي من خلال نصوصه الشعرية التي تجمع بين العاطفة والبلاغة. تميّز له شعر بدقة اللغة وقوة الصورة، وُلد في صقلية وغادرها بعد الغزو النورماندي إلى الأندلس، وذاع شعره في وصف الحنين إلى وطنه، وبقي ديوانه من أجمل ما كتب في الرثاء والحنين.
المسيرة والإنجازات
يضم الأرشيف 365 عملاً منسوباً إليه، منها: وكأنما شمس الظهيرة ناره، أيا رشاقة غصن البان ما هصرك، أسهام مفوقات لرميي، غيرته غير الدهر فشاب، ولابس نقب الأعراض جوهره، هبوا فقد رحل الدجى ظلمه، ومشرعة بالموت للطعن صعدة، حتى متى بين اللوى فالأجرع، أمسك الصبا أهدت إلي صبا نجد، هل أنت فادية فؤاد عميد، أصبحت جذلان طيب العربه، وأخضر حصلت نفسي به ونجت، عذبت رقة قلبي، يا حسن ساقية تمد أناملا، أذبت فؤادي يا فديتك بالعتب. تُظهر هذه الأعمال مدى تأثيره في المشهد الغنائي العربي، وكيف تحوّلت قصائده إلى أغنيات تحظى بمتابعة الجمهور عبر الأجيال.

أعمال أخرى لـ ابن حمديس

تنويه حقوق: النص الغنائي أعلاه مملوك لأصحاب حقوقه من شعراء وملحّنين وشركات إنتاج، ويُعرض هنا لغرض التوثيق والأرشفة المرجعية. المادة التحريرية المصاحبة (بطاقة العمل، المعنى، القراءة، القصة، المصادر، نبذة الفنان) من إعداد فريق الموقع. أصحاب الحقوق يمكنهم تقديم طلب إزالة عبر هذا النموذج.
تصحيح الكلمات