وقفت على المستنصرية باكيا
جميل صدقي الزهاوي
(45) مشاهدة
اقرأ «وقفت على المستنصرية باكيا» من نظم جميل صدقي الزهاوي كاملةً ومرتّبة ضمن أرشيف الكلمات العربية.
مقدمة تحريرية عن العمل — من إعداد أرشيف aama.sa.
كلمات أغنية «وقفت على المستنصرية باكيا»
وقفت على المستنصرية باكياً
ربوعاً بها للعلم أمست خواليا
وقفت بها أبكي قديم حياتها
وأبكي بها الحسنى وأبكي المعاليا
وقفت بها أبكي بشعري بناتها
وأنعى سجاياها وأنعى المساعيا
بكيت بها عهداً مضى في عِراصها
كريماً فليت العهد لم يك ماضيا
بكيت بها المدفون في حجراتها
من العلم حتى بلَّ دمعي ردائيا
أكفكف بالأيدي بوادر أدمعي
ويأبين إلا أن يفضن جواريا
وطأطأت رأسي في ذراها تواضعاً
وحييت بالتسليم منها المغانيا
وسرحت أنظاري بها فوجدتها
بناءً لتشييد المعارف عاليا
بناءً فخيماً عز للعلم مثله
فقلت كذا فليبن من كان بانيا
والفيت قسماً قد تداعى جداره
وقسماً على ما كان من قبل باقيا
تهبُّ رياح الصيف في حجراتها
فتلبسها ثوباً من النقع هابيا
وتسعى الجدران منها عناكب
تُجِدّ لها فيما تداعى مبانيا
فالممت فيها بالرسوم دوارسا
وساءلت منهن الطلول بواليا
وقلت لدار البحث عظِّمت محفلا
وقلت لنادي الدرس حييت ناديا
أكلية العلم الذي كان روضه
نضيراً كما شاء التقدم ناميا
بأية ريح فيكِ هبت زعازع
تصوَّح ذاك الروض فاجتث ذاويا
لقد كنت فيما قد مضى دار حكمة
بها يعلم الناس الحقائق ماهيا
فكنتِ بأفق الشرق شمساً مضيئة
تشعين نوراً للمعارف زاهيا
وكانت بلاد الغرب إذ ذاك في عمى
تقاسى من الجهل الكثيف الدياجيا
فأين رجال فيك كانوا مشائخاً
إليهم يحث الطالبون النواجيا
وكانوا بحاراً للعلوم عميقة
وكانوا جبالاً للحلوم رواسيا
وكانوا مصابيح الهدى ونجومها
بهم يهتدى من كان في الليل ساريا
يميتون في نشر العلوم يهارهم
ويحيون في حل العويص اللياليا
نواحيك من طلابها اليوم أقفرت
وكانوا ألوفاً يملأون النواحيا
فقالت وقاك اللَه لا تسأَلنّني
فمالك نفع في السؤال ولا ليا
فقلت أجييني كما كنتِ سابقاً
تجيبين من قد جاء للعلم راجيا
فقالت ألمت حادثات عظيمة
وجرَّت عَلَى هذي البلاد دواهيا
هناك استبد الدهر بالناس مُبدلا
فرفّع مخفوضاً وسفّل عاليا
هناك اضمحلت دولة عربية
بها كانت الأيام ترفع شانيا
وعُوّض عنها دولة ثم دولة
تُسَرُّ بكون الجهل في الناس فاشيا
وذاك لأن العلم للمرء مرشد
يعلمه عن حقه أن يحاميا
عرت نكبات الدهر بغدادَ بعدما
بها رَدَحاً ألقى السلام المراسيا
فأذهب ما للعلم من رونق الصبا
تتابعُ أحداثٍ يُشبن النواصيا
وأدنى الذي قد نابها من نوائب
خرابى ولولاها لما كان دانيا
فكابدت منهن الصروف نوازلاً
وقاسيت منهن الخطوب عواديا
وأبدى على عزى القديم إهانتي
رجال لشخص العلم كانوا أعاديا
وأُهملت حتى انهد مني كما ترى
مبانٍ لنشر العلم عزت مبانيا
وصرت على حكم الذين تحرّزوا
من العلم يا هذا إلى ما ترانيا
فقد ذوىَ الغصن الذي كان ناضراً
وقد عطِّل الجيد الذي كان حاليا
أضاءت قرون بي هي اليوم قد خلت
فسل إن تشأ عني القرون الخواليا
وكنت أرجى أن تعود عمارتي
إذا بعث الرحمن للعلم راعيا
فأمّلت عمراً ذلك العَود باطلاً
وعشت له دهراً أُمنَّى الأمانيا
أرجِّى بها أني ألاقي شبيبتي
فأيقنت هذا اليوم أن لا تلاقيا
لقد نقض الأيام بالعجم مِرّتي
ومرُّ الليالي يَتبّعن اللياليا
ورنَّق عدوان الزمان معيشتي
فمن ليَ أن ألقى الزمان مصافيا
ومزَّقني الباغون كل ممزَّق
ولا أحد عن فعل ذلك ناهيا
فقد صيروا للحفم بعضى مخازناً
وبعضي حوانيتاً وبعضي ملاهيا
وحُطَّت بساحاتي ابتغاء رسومها
بضائع للتجار تشقى الأهاليا
ولاقيت منهم كل خسف وجفوةٍ
فماذا عسى من بعد ذا أن أُلاقيا
أَبِيتُ بِلا ضوء ينير دجنتي
وَيدفع عني وحشتي وظلاميا
أُغل فلا أُسقى من الماءِ شربة
ودجلة تجري بالنمير أماميا
فيا ليتني كنت امَّحَوت بأجمعي
ولا كان في حالي كذا الذل باديا
كما أنه أختى النظامية امحَّت
ولم يبقِ من آثارها الدهر باقيا
وكل جديدٍ سوف يرجع للبِلى
إذا لم يكن منه له اللَه واقيا
ربوعاً بها للعلم أمست خواليا
وقفت بها أبكي قديم حياتها
وأبكي بها الحسنى وأبكي المعاليا
وقفت بها أبكي بشعري بناتها
وأنعى سجاياها وأنعى المساعيا
بكيت بها عهداً مضى في عِراصها
كريماً فليت العهد لم يك ماضيا
بكيت بها المدفون في حجراتها
من العلم حتى بلَّ دمعي ردائيا
أكفكف بالأيدي بوادر أدمعي
ويأبين إلا أن يفضن جواريا
وطأطأت رأسي في ذراها تواضعاً
وحييت بالتسليم منها المغانيا
وسرحت أنظاري بها فوجدتها
بناءً لتشييد المعارف عاليا
بناءً فخيماً عز للعلم مثله
فقلت كذا فليبن من كان بانيا
والفيت قسماً قد تداعى جداره
وقسماً على ما كان من قبل باقيا
تهبُّ رياح الصيف في حجراتها
فتلبسها ثوباً من النقع هابيا
وتسعى الجدران منها عناكب
تُجِدّ لها فيما تداعى مبانيا
فالممت فيها بالرسوم دوارسا
وساءلت منهن الطلول بواليا
وقلت لدار البحث عظِّمت محفلا
وقلت لنادي الدرس حييت ناديا
أكلية العلم الذي كان روضه
نضيراً كما شاء التقدم ناميا
بأية ريح فيكِ هبت زعازع
تصوَّح ذاك الروض فاجتث ذاويا
لقد كنت فيما قد مضى دار حكمة
بها يعلم الناس الحقائق ماهيا
فكنتِ بأفق الشرق شمساً مضيئة
تشعين نوراً للمعارف زاهيا
وكانت بلاد الغرب إذ ذاك في عمى
تقاسى من الجهل الكثيف الدياجيا
فأين رجال فيك كانوا مشائخاً
إليهم يحث الطالبون النواجيا
وكانوا بحاراً للعلوم عميقة
وكانوا جبالاً للحلوم رواسيا
وكانوا مصابيح الهدى ونجومها
بهم يهتدى من كان في الليل ساريا
يميتون في نشر العلوم يهارهم
ويحيون في حل العويص اللياليا
نواحيك من طلابها اليوم أقفرت
وكانوا ألوفاً يملأون النواحيا
فقالت وقاك اللَه لا تسأَلنّني
فمالك نفع في السؤال ولا ليا
فقلت أجييني كما كنتِ سابقاً
تجيبين من قد جاء للعلم راجيا
فقالت ألمت حادثات عظيمة
وجرَّت عَلَى هذي البلاد دواهيا
هناك استبد الدهر بالناس مُبدلا
فرفّع مخفوضاً وسفّل عاليا
هناك اضمحلت دولة عربية
بها كانت الأيام ترفع شانيا
وعُوّض عنها دولة ثم دولة
تُسَرُّ بكون الجهل في الناس فاشيا
وذاك لأن العلم للمرء مرشد
يعلمه عن حقه أن يحاميا
عرت نكبات الدهر بغدادَ بعدما
بها رَدَحاً ألقى السلام المراسيا
فأذهب ما للعلم من رونق الصبا
تتابعُ أحداثٍ يُشبن النواصيا
وأدنى الذي قد نابها من نوائب
خرابى ولولاها لما كان دانيا
فكابدت منهن الصروف نوازلاً
وقاسيت منهن الخطوب عواديا
وأبدى على عزى القديم إهانتي
رجال لشخص العلم كانوا أعاديا
وأُهملت حتى انهد مني كما ترى
مبانٍ لنشر العلم عزت مبانيا
وصرت على حكم الذين تحرّزوا
من العلم يا هذا إلى ما ترانيا
فقد ذوىَ الغصن الذي كان ناضراً
وقد عطِّل الجيد الذي كان حاليا
أضاءت قرون بي هي اليوم قد خلت
فسل إن تشأ عني القرون الخواليا
وكنت أرجى أن تعود عمارتي
إذا بعث الرحمن للعلم راعيا
فأمّلت عمراً ذلك العَود باطلاً
وعشت له دهراً أُمنَّى الأمانيا
أرجِّى بها أني ألاقي شبيبتي
فأيقنت هذا اليوم أن لا تلاقيا
لقد نقض الأيام بالعجم مِرّتي
ومرُّ الليالي يَتبّعن اللياليا
ورنَّق عدوان الزمان معيشتي
فمن ليَ أن ألقى الزمان مصافيا
ومزَّقني الباغون كل ممزَّق
ولا أحد عن فعل ذلك ناهيا
فقد صيروا للحفم بعضى مخازناً
وبعضي حوانيتاً وبعضي ملاهيا
وحُطَّت بساحاتي ابتغاء رسومها
بضائع للتجار تشقى الأهاليا
ولاقيت منهم كل خسف وجفوةٍ
فماذا عسى من بعد ذا أن أُلاقيا
أَبِيتُ بِلا ضوء ينير دجنتي
وَيدفع عني وحشتي وظلاميا
أُغل فلا أُسقى من الماءِ شربة
ودجلة تجري بالنمير أماميا
فيا ليتني كنت امَّحَوت بأجمعي
ولا كان في حالي كذا الذل باديا
كما أنه أختى النظامية امحَّت
ولم يبقِ من آثارها الدهر باقيا
وكل جديدٍ سوف يرجع للبِلى
إذا لم يكن منه له اللَه واقيا
قراءة في كلمات الأغنية
الزهاوي شاعر أفكار لا شاعر أحوال، وهذا مقياس الحكم عليه. فهو لا يعنيه أن يهزّك بالصورة بل أن يقنعك بالحجّة، فجاء شعره أقرب إلى النظم المنطقي، وفيه ضعف صناعي يعترف به ناقدوه ومحبّوه. لكن قيمته في مكان آخر: أنه أوّل من أدخل موضوعات العلم الحديث إلى القصيدة العربية جدّاً لا تفكّهاً، وأوّل من جعل مسألة المرأة موضوعاً شعرياً صريحاً في المشرق. وبذلك وسّع ما يجوز أن يُقال في الشعر، وهذا فتح لا يقاس بجودة بيت أو ركاكته. ويُقرن دائماً بالرصافي، والفرق بينهما فرق بين من يخاطب العقل ومن يخاطب الوجدان.
تحليل تحريري أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.
قصة العمل
نشر الزهاوي سنة 1910 مقالاً في صحيفة مصرية يدعو فيه إلى رفع الحجاب، ونشره باسم مستعار — فلم يُجدِ ذلك، إذ عُرف صاحبه فقامت عليه بغداد وفُصل من عمله. وكان قبلها وبعدها ينظم في ما لا ينظم فيه الشعراء: الجاذبية، وحركة الأرض، ونشوء الأنواع، ومسائل الفلك. ثم كتب رحلة شعرية إلى الجحيم على غرار ما فعله دانتي، فزاد الجدل حوله. ومات سنة 1936 وقد أنفق عمره في خصومة مزدوجة: مع أهل التقليد في الدين، ومع الرصافي في الشعر.
محتوى توثيقي أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.
معلومات ومفارقات
نظم في نظرية النشوء والجاذبية في وقت لم تكن هذه الموضوعات قد استقرّت في الثقافة العربية بعد، فعُدّ من أوائل من حاول شعراً علمياً في العربية الحديثة. وقصيدته في رحلة إلى الجحيم قوبلت باستنكار واسع في حياته.
معلومات توثيقية مختارة من إعداد أرشيف aama.sa.
عن الفنان: جميل صدقي الزهاوي
تعرف على المزيد →
بلد المنشأ:
الدولة العثمانية
سنة الميلاد:
1863
سنة الوفاة:
1936
جميل صدقي الزهاوي شاعرة المعروفة بأسلوبه الشعري المميز، ينتمي إلى العصر الحديث والمعاصر في العالم العربي، ويضم الأرشيف عدداً من النصوص المنسبة إليها تُغنّى وُتُقرأ حتى اليوم. تميّز لها شعر بدقة اللغة وقوة الصورة،
المسيرة والإنجازات
قدّمت جميل صدقي الزهاوي نصوصاً شعرية غنّاها كثير من المطربين، وتبرز من رصيده الغنائي أعمال مثل: مات سعد فما عسى أن تقولا، أفي كل يوم رحلة وتغرب، ايمل يوسف فوق دجلة قصره، قد طغى يطفح الفرات وعبا، قد جاء يا أم وقت فوتي، انما نهضة الامم، ألا يا دمع إنك ترجماني، ايها البدر الذي، عتا وقال يقيني، أكبر بفيصل من مليك حازم، انا شيخ بذكرياتي احيا، لهفي يطول على شبابك، بكل مقام وقفة لك تبهت، لقد تصورت جسما، أين القصيد التي أبياتها خزف. يعكس هذا الإرث تنوّع اهتماماته الشعرية وقدرته على تجسيد المشاعر الإنسانية بألفاظ بليغة.
أعمال أخرى لـ جميل صدقي الزهاوي
تنويه حقوق:
النص الغنائي أعلاه مملوك لأصحاب حقوقه من شعراء وملحّنين وشركات إنتاج، ويُعرض هنا لغرض التوثيق والأرشفة المرجعية.
المادة التحريرية المصاحبة (بطاقة العمل، المعنى، القراءة، القصة، المصادر، نبذة الفنان) من إعداد فريق الموقع.
أصحاب الحقوق يمكنهم تقديم طلب إزالة عبر هذا النموذج.