سمح الخيال على النوى بمزار
ابن خفاجه
(47) مشاهدة
«سمح الخيال على النوى بمزار» — ابن خفاجه: النص الكامل مكتوباً وواضحاً للقراءة.
مقدمة تحريرية عن العمل — من إعداد أرشيف aama.sa.
كلمات أغنية «سمح الخيال على النوى بمزار»
سَمَحَ الخَيالُ عَلى النَوى بِمَزارِ
وَالصُبحُ يَمسَحُ عَن جَبينِ نَهارِ
فَرَفعتُ مِن ناري لِضَيفٍ طارِقٍ
يَعشو إِلَيها مِن خَيالٍ طاري
رَكِبَ الدُجى أَحسِن بِها مِن مَركَبٍ
وَطَوى السُرى أَحبِب بِهِ مِن ساري
وَأَناخَ حَيثُ دُموعُ عَيني مَنهَلٌ
يَروي وَحَيثُ حَشايَ مَوقِدُ نارِ
وَسَقى فَأَروى غُلَّةً مِن ناهِلٍ
أَروى بِجانِحَتَيهِ زَندَ أُوارِ
خَلَعَ الهَوى ثَوباً عَلَيهِ مِنَ الضَنى
قَد شَفَّ عَنهُ فَهوَ كاسٍ عاري
يَلوي الضُلوعَ مِنَ الوُلوعِ لِخَطرَةٍ
مِن شَيمِ بَرقٍ أَو شَميمِ عَرارِ
وَاللَيلُ قَد نَضَحَ النَدى سِربالَهُ
فَاِنهَلَّ دَمعُ الطَلِّ فَوقَ صِدارِ
لَبِسَ المَجَرُّ عَلى السَوادِ فَخِلتُهُ
مُتَنَزِّهاً قَد شَدَّ مِن زُنّارِ
وَوَراءَ أَستارِ الدُجى مُتَمَلمِلٌ
يَلقى بِيُمنى تارَةً وَيَسارِ
ماطالَعَتهُ بَرقَةٌ نَجدِيَّةٌ
إِلّا اِجتَلَتها نِظرَةُ اِستِعبارِ
مُتَرَقِّبٌ رُسُلَ الرِياحِ عَشِيَّةً
بِمَساقِطِ الأَنواءِ وَالأَنوارِ
وَمَجَرِّ ذَيلِ غَمامَةٍ لَبِسَت بِهِ
وَشيَ الحَبابِ مَعاطِفُ الأَنهارِ
خَفَقَت ظِلالُ الأَيكِ فيهِ ذَوائِباً
وَاِرتَجَّ رِدفاً مائِجُ التَيّارِ
وَلَوى القَضيبُ هُناكَ جيداً أَتلَعاً
قَد قَبَّلَتهُ مَباسِمُ النُوّارِ
باكَرَتهُ وَالغَيمُ قِطعَةُ عَنبَرٍ
مَشبوبَةٌ وَالبَرقُ لَفحَةُ نارِ
وَالريحُ تَلطِمُ فيهِ أَردافَ الرُبى
لَعِباً وَتَلثِمُ أَوجُهَ الأَزهارِ
وَمنابِرُ الأَشجارِ قَد قامَت بِها
خُطَباءُ مُفصِحَةٌ مِنَ الأَطيارِ
في فِتيَةٍ جَنَبوا العَجاجَةَ لَيلَةً
وَلَرُبَّما سَفَروا عَنِ الأَقمارِ
ثارَ القَتامُ بِهِم دُخاناً وَاِرتَمى
زَندُ الحَفيظَةِ مِنهُمُ بِشَرارِ
شاهَدتُ مِن هَيئاتِهِم وَهِباتِهِم
أَشرافَ أَطوادٍ وَفَيضَ بِحارِ
مِن كُلِّ مُنتَقِبٍ بِوَردَةِ خَجلَةٍ
كَرَماً وَمُشتَمِلٍ بِثَوبِ وَقارِ
في عِمَّةٍ خَلَعَت عَلَيهِ كَلِمَةً
وَذُؤابَةً قُرِنَت بِها كَعِذارِ
ضافي رِداءِ المَجدِ طَمّاحِ العُلا
طامي عُبابِ الجودِ رَحبِ الدارِ
جَرّارِ أَذيالُِ المعالي وَالقَنا
حامي الحَقيقَةِ وَالحِمى وَالجارِ
طَرَدَ القَنيصَ بِكُلِّ قَيدِ طَريدَةٍ
زَجِلَ الجَناحِ مُوَرَّدِ الأَظفارِ
مُلتَفَّةٍ أَعطافُهُ بِحَبيَرَةٍ
مَكحولَةٍ أَجفانُهُ بِنُضارِ
يَرمي بِهِ الأَمَلَ القَصِيَّ فَيَنثَني
مَخضوبَ راءِ الظُفرِ وَالمِنقارِ
وَبِكُلِّ نائي الشَوطِ أَشدَقَ أَصدَرٍ
طاوي الحَشى حالي المُقَلَّدِ ضاري
يَفَتَرُّ عَن مِثلِ النِصالِ وَإِنَّما
يَمشي عَلى مِثلِ القَنا الخَطّارِ
مُستَقرِياً أَثَرَ القَنيصِ عَلى الصَفا
وَاللَيلُ مُشتَمِلٌ بِشَملَةِ قارِ
مِن كُلِّ مُسوَدٍّ تَلَهَّبَ طَرفُهُ
تَهديكَ فَحمَتُهُ بِشُعلَةِ نارِ
وَمُوَرَّسِ السِربالِ يَخلَعُ قَدَّهُ
عَن نَجمِ رَجمٍ في سَماءِ غُبارِ
عَطَفَ الضُمورُ سَراتَهُ فَكَأَنَّهُ
وَالنَقعُ يَحجُبُهُ هِلالُ سِرارِ
وَلَرُبَّ رَوّاعٍ هُنالِكَ أَنبَطٍ
خَلقِ المَسامِعِ أَطلَسِ الأَطمارِ
يَجري عَلى حَذَرٍ فَيَجمَعُ بَسطَهُ
يَهوي فَيَنعَطِفُ اِنعِطافَ سِوارِ
مُمتَدِّ حَبلِ الشَأوِ يَعسِلُ راتِعاً
فَيَكادُ يُفلِتُ أَيدِيَ الأَقدارِ
مُتَرَدِّداً يَرمي بِهِ خَوفُ الرَدى
كُرَةً تَهادَتها أَكُفُّ قِفارِ
وَلَرُبَّ طَيّارٍ خَفيفٍ قَد جَرى
فَشَلا بِجارٍ خَلفَهُ طَيّارِ
مِن كُلِّ قاصِرَةِ الخُطى مُختالَةٍ
مَشيَ الفَتاةِ تَجُرُّ فَضلَ إِزارِ
مَخضوبَةِ المِنقارِ تَحسَبُ أَنَّها
كَرَعَت عَلى ظَمَإٍ بِكاسِ عُقارِ
لا تَستَقِرَّ بِها الأَيادي خَشيَةً
مِن لَيلِ وَيلٍ أَو نَهارِ بَوارِ
وَلَوِ اِستَجارَت مِنهُما بِحِمى أَبي
يَحيى لَأَمَّنَها أَعَزَّ جِوارِ
حَرَمٌ إِذا اِشتَمَلَ الطَريدُ بِظِلِّهِ
لَم يَخشَ مِن جَورٍ هُنالِكَ جاري
تَقِفُ الرِياحُ بِجانِبَيهِ هَيبَةً
وَيَعُبُّ بَحرُ العَسكَرِ الجَرّارِ
وَيَقيلُ مَن أَمِنَ بِهِ ظَبيُ النَقا
في جِحرِ خيسِ الضَيغَمِ الزَئّارِ
خَدَمَ القَضاءُ مُرادَهُ فَكَأَنَّما
مَلَكَت يَداهُ أَعِنَّةَ الأَقدارِ
وَعَنا الزَمانُ لِأَمرِهِ فَكَأَنَّما
أَصغى الزَمانُ بِهِ إِلى أَمّارِ
وَجَلا الإِمارَةَ في رَقيقِ نَضارَةٍ
جَلَتِ الدُجى في حُلَّةِ الأَنوارِ
في حَيثُ وَشَّحَ لَبَّةً بِقِلادَةٍ
مِنها وَحَلّى مِعصَماً بِسِوارِ
جَذلانَ يَملَأُ مِنحَةً وَبَشاشَةً
أَيدي العُفاةِ وَأَعيُنَ الزُوّارِ
مُتَقَسِّمٌ مابَينَ بَدرِ دُجُنَّةٍ
أَسرى وَبَينَ غَمامَةٍ مِدرارِ
أَرِجَ النَدِيُّ بِذِكرِهِ فَكَأَنَّهُ
مُتَنَفَّسٌ عَن رَوضَةٍ مِعطارِ
في حُسنِ مَنطِقِهِ وَهَشَّةِ وَجهِهِ
مُستَمتَعُ الأَسماعِ وَالأَبصارِ
جارى الرِياحَ إِلى السَماحِ فَما جَرَت
مَعَهُ الرِياحُ النُكبُ في مِضمارِ
وَزَكا فَشَدَّ عَلى العَفافِ إِزارَهُ
إِنَّ العَفافَ لَشيمَةُ الأَحرارِ
يَقِظٌ ذَكا فَهماً وَأَشرَفَ هِمَّةً
وَكَفاكَ مِن نارٍ بِهِ وَمَنارِ
لَبِسَ التَواضُعَ عَن جَلالٍ وَاِرتَقى
شَرَفاً بِحَيثُ سَما سَماءَ فَخارِ
أَلقَت إِلَيهِ بِالأُمورِ إِمارَةٌ
مَلَأَت رُواءً أَعيُنَ النُظّارِ
فَعِنانُ تِلكَ الدَولَةِ الغَرّاءِ في
تَدبيرِ ذاكَ الفارِسِ المِغوارِ
بَطَلٌ جَرى الفَلَكُ المُحيطُ بِسَرجِهِ
وَاِستَلَّ صارِمَهُ يَدُ المِقدارِ
يَمتَدُّ حَبلُ الأَسمَرِ الخَطِّيِّ في
يَدِهِ وَباعُ الأَبيَضِ البَتّارِ
بِيَمينِهِ يَومَ الوَغى وَشِمالِهِ
ماشاءَ مِن نارٍ وَمِن إِعصارِ
فَالشَمسُ خَمرٌ وَالجِيادُ عَرائِسٌ
وَالجَوُّ كاسٍ وَالسُيوفُ مَداري
وَالخَيلُ تَعثُرُ في شَبا شَوكِ القَنا
وَتَظَلُّ تَسبَحُ في الدَمِ المَوّارِ
وَالبيضُ تُحنى في الطُلى فَكَأَنَّما
لُوِيَت عُرىً مِنها عَلى أَزرارِ
وَالنَقعُ يَكسُرُ مِن سَنا شَمسِ الضُحى
فَكَأَنَّهُ صَدَأٌ عَلى دينارِ
صَحِبَ الحُسامَ النَصرُ صُحبَةَ غَبطَةٍ
في كَفِّ صَوّالٍ بِهِ سَوّارِ
لَو أَنَّهُ أَوحى إِلَيهِ بِنَظرَةٍ
يَوماً لَثارَ فَلَم يَنَم عَن ثارِ
وَمَضى وَقَد مَلَكَتهُ هِزَّةُ عِزَّةٍ
تَحتَ العَجاجِ وَضِحكَةُ اِستِبشارِ
وَلَرُبَّ صِفرِ الكَفِّ هاذٍ بِالمُنى
كَلِفٍ بِأَطوارٍ مِنَ الأَوطارِ
قَد أَسبَلَ الظَلماءَ سِتراً دونَهُ
وَخلا بِأَبكارٍ مِنَ الأَفكارِ
صاحَت بِهِ الأَيّامُ تَرفَعُ صَوتَها
فَكَأَنَّما نادَتهُ خَلفَ جِدارِ
دَع عَنكَ ثَيِّبَ كُلِّ نُعمى وَاِلتَمِس
مِنَحاً لِإِبراهيمَ فَهيَ عَذاري
وَاِربَع بِحَيثُ تَصوبُ أرَضَكَ ديمَةٌ
لِيَمينِ يُمنٍ أَو يَسارِ يَسارِ
هَطلاءُ تَضحَكَُ كُلُّ زَهرَةِ صَفحَةٍ
عَنها وَتُعشِبُ كُلُّ ساحَةِ دارِ
مِن مَعشَرٍ تَدمى بِهِم يَومَ الوَغى
بيضُ السُيوفِ وَأَوجُهُ الكُفّارِ
وَتَحورُ نَفسُ المُستَطيلِ مَهابَةً
وَيَذِلُّ رُغماً مَعطِسُ الجَبّارِ
جَمَعَ النَدى بِهِم وَصَدرُ المُنتَدى
كَرَمَ النُفوسِ وَرِقَّةِ الأَبشارِ
سادَ السُراةُ بِما اِستَفادوا عَنهُمُ
إِنَّ الشُموسَ لِعِلَّةُ الأَقمارِ
وَسَخا الكِرامُ بِما اِستَمَدّوا مِنهُمُ
إِنَّ البِحارَ لَمَنشَءُ الأَمطارِ
تَنميهُمُ الدُنيا إِلى صِنهاجَةٍ
وَالدينُ يُنميهُم إِلى الأَنصارِ
شادَت يَدُ العَلياءِ في عَرَصاتِهِم
أَعلى مَنارٍ في أَعَزِّ دِيارِ
مِن كُلِّ غَيثٍ لِلسَماحَةِ واكِفٍ
يَهمي وَقِرنٍ في الوَغى هَدّارِ
يَتَتابَعونَ إِلى الصَريخِ كَأَنَّهُم
أَمواجُ بَحرٍ قَد طَمى زَخّارِ
كَم مُطلَقٍ لِنَداهُمُ وَظِباهُمُ
مِن قَيدِ إِعسارٍ وَقَدِّ إِسارِ
وَرِداءِ مَجدٍ طُرِّزَت أَعطافُهُ
بِالحَمدِ لايَبلى عَلى الأَعصارِ
فَلَو أَنَّهُم خَلَدوا خُلودَ ثَنائِهِم
لَم تَنفَصِم عَنهُم عُرى الأَعمارِ
وَإِلَيكَ مِن حَوكِ البَديعِ قَوافِياً
هَزَّ النَشيدُ بِها مُتونَ شَفارِ
زَفَّت أَبا بَكرٍ إِلَيكَ مَحاسِناً
جاءَتكَ تَحمِلُ عُذرَةَ الأَبكارِ
فَأَصِخ إِلى هَزجِ المَديحِ فَإِنَّما
صَدَحَت بِأَغصانِ السُطورِ قِماري
هَزَّت مَعاطِفَ سامِعيها حِكمَةً
كادت تَهُزُّ مَعاطِفَ الأَسطارِ
مَسَحَت جُفونَ الرَكبِ مِن سِنَةِ الكَرى
وَلَوَتهُمُ طَرَباً عَلى الأَكوارِ
وَرَأَتكَ كُفؤاً فَاِنتَحَتكَ عَلى النَوى
وَالبُعدِ بَعدَ السِتَّةِ الأَقطارِ
فَاِطلَع لِرَوضَتِها صَباحاً نَيِّراً
يَستَضحِكُ النُوّارُ لِلأَنوارِ
وَاِسلَم أَبا يَحيى لَها مِن دَولَةٍ
كَسَتِ اللَيالي رَونَقَ الأَسحارِ
وَاِنهَد لَها فَالسَيفُ في يَدِ فارِسٍ
يَسطو بِهِ وَالسَهمُ في يَدِ باري
وَاِشفَع عَلى شَحطِ الدِيارِ لِآمِلٍ
أَهدى الثَناءَ عَلى تَنائي الدارِ
وَالصُبحُ يَمسَحُ عَن جَبينِ نَهارِ
فَرَفعتُ مِن ناري لِضَيفٍ طارِقٍ
يَعشو إِلَيها مِن خَيالٍ طاري
رَكِبَ الدُجى أَحسِن بِها مِن مَركَبٍ
وَطَوى السُرى أَحبِب بِهِ مِن ساري
وَأَناخَ حَيثُ دُموعُ عَيني مَنهَلٌ
يَروي وَحَيثُ حَشايَ مَوقِدُ نارِ
وَسَقى فَأَروى غُلَّةً مِن ناهِلٍ
أَروى بِجانِحَتَيهِ زَندَ أُوارِ
خَلَعَ الهَوى ثَوباً عَلَيهِ مِنَ الضَنى
قَد شَفَّ عَنهُ فَهوَ كاسٍ عاري
يَلوي الضُلوعَ مِنَ الوُلوعِ لِخَطرَةٍ
مِن شَيمِ بَرقٍ أَو شَميمِ عَرارِ
وَاللَيلُ قَد نَضَحَ النَدى سِربالَهُ
فَاِنهَلَّ دَمعُ الطَلِّ فَوقَ صِدارِ
لَبِسَ المَجَرُّ عَلى السَوادِ فَخِلتُهُ
مُتَنَزِّهاً قَد شَدَّ مِن زُنّارِ
وَوَراءَ أَستارِ الدُجى مُتَمَلمِلٌ
يَلقى بِيُمنى تارَةً وَيَسارِ
ماطالَعَتهُ بَرقَةٌ نَجدِيَّةٌ
إِلّا اِجتَلَتها نِظرَةُ اِستِعبارِ
مُتَرَقِّبٌ رُسُلَ الرِياحِ عَشِيَّةً
بِمَساقِطِ الأَنواءِ وَالأَنوارِ
وَمَجَرِّ ذَيلِ غَمامَةٍ لَبِسَت بِهِ
وَشيَ الحَبابِ مَعاطِفُ الأَنهارِ
خَفَقَت ظِلالُ الأَيكِ فيهِ ذَوائِباً
وَاِرتَجَّ رِدفاً مائِجُ التَيّارِ
وَلَوى القَضيبُ هُناكَ جيداً أَتلَعاً
قَد قَبَّلَتهُ مَباسِمُ النُوّارِ
باكَرَتهُ وَالغَيمُ قِطعَةُ عَنبَرٍ
مَشبوبَةٌ وَالبَرقُ لَفحَةُ نارِ
وَالريحُ تَلطِمُ فيهِ أَردافَ الرُبى
لَعِباً وَتَلثِمُ أَوجُهَ الأَزهارِ
وَمنابِرُ الأَشجارِ قَد قامَت بِها
خُطَباءُ مُفصِحَةٌ مِنَ الأَطيارِ
في فِتيَةٍ جَنَبوا العَجاجَةَ لَيلَةً
وَلَرُبَّما سَفَروا عَنِ الأَقمارِ
ثارَ القَتامُ بِهِم دُخاناً وَاِرتَمى
زَندُ الحَفيظَةِ مِنهُمُ بِشَرارِ
شاهَدتُ مِن هَيئاتِهِم وَهِباتِهِم
أَشرافَ أَطوادٍ وَفَيضَ بِحارِ
مِن كُلِّ مُنتَقِبٍ بِوَردَةِ خَجلَةٍ
كَرَماً وَمُشتَمِلٍ بِثَوبِ وَقارِ
في عِمَّةٍ خَلَعَت عَلَيهِ كَلِمَةً
وَذُؤابَةً قُرِنَت بِها كَعِذارِ
ضافي رِداءِ المَجدِ طَمّاحِ العُلا
طامي عُبابِ الجودِ رَحبِ الدارِ
جَرّارِ أَذيالُِ المعالي وَالقَنا
حامي الحَقيقَةِ وَالحِمى وَالجارِ
طَرَدَ القَنيصَ بِكُلِّ قَيدِ طَريدَةٍ
زَجِلَ الجَناحِ مُوَرَّدِ الأَظفارِ
مُلتَفَّةٍ أَعطافُهُ بِحَبيَرَةٍ
مَكحولَةٍ أَجفانُهُ بِنُضارِ
يَرمي بِهِ الأَمَلَ القَصِيَّ فَيَنثَني
مَخضوبَ راءِ الظُفرِ وَالمِنقارِ
وَبِكُلِّ نائي الشَوطِ أَشدَقَ أَصدَرٍ
طاوي الحَشى حالي المُقَلَّدِ ضاري
يَفَتَرُّ عَن مِثلِ النِصالِ وَإِنَّما
يَمشي عَلى مِثلِ القَنا الخَطّارِ
مُستَقرِياً أَثَرَ القَنيصِ عَلى الصَفا
وَاللَيلُ مُشتَمِلٌ بِشَملَةِ قارِ
مِن كُلِّ مُسوَدٍّ تَلَهَّبَ طَرفُهُ
تَهديكَ فَحمَتُهُ بِشُعلَةِ نارِ
وَمُوَرَّسِ السِربالِ يَخلَعُ قَدَّهُ
عَن نَجمِ رَجمٍ في سَماءِ غُبارِ
عَطَفَ الضُمورُ سَراتَهُ فَكَأَنَّهُ
وَالنَقعُ يَحجُبُهُ هِلالُ سِرارِ
وَلَرُبَّ رَوّاعٍ هُنالِكَ أَنبَطٍ
خَلقِ المَسامِعِ أَطلَسِ الأَطمارِ
يَجري عَلى حَذَرٍ فَيَجمَعُ بَسطَهُ
يَهوي فَيَنعَطِفُ اِنعِطافَ سِوارِ
مُمتَدِّ حَبلِ الشَأوِ يَعسِلُ راتِعاً
فَيَكادُ يُفلِتُ أَيدِيَ الأَقدارِ
مُتَرَدِّداً يَرمي بِهِ خَوفُ الرَدى
كُرَةً تَهادَتها أَكُفُّ قِفارِ
وَلَرُبَّ طَيّارٍ خَفيفٍ قَد جَرى
فَشَلا بِجارٍ خَلفَهُ طَيّارِ
مِن كُلِّ قاصِرَةِ الخُطى مُختالَةٍ
مَشيَ الفَتاةِ تَجُرُّ فَضلَ إِزارِ
مَخضوبَةِ المِنقارِ تَحسَبُ أَنَّها
كَرَعَت عَلى ظَمَإٍ بِكاسِ عُقارِ
لا تَستَقِرَّ بِها الأَيادي خَشيَةً
مِن لَيلِ وَيلٍ أَو نَهارِ بَوارِ
وَلَوِ اِستَجارَت مِنهُما بِحِمى أَبي
يَحيى لَأَمَّنَها أَعَزَّ جِوارِ
حَرَمٌ إِذا اِشتَمَلَ الطَريدُ بِظِلِّهِ
لَم يَخشَ مِن جَورٍ هُنالِكَ جاري
تَقِفُ الرِياحُ بِجانِبَيهِ هَيبَةً
وَيَعُبُّ بَحرُ العَسكَرِ الجَرّارِ
وَيَقيلُ مَن أَمِنَ بِهِ ظَبيُ النَقا
في جِحرِ خيسِ الضَيغَمِ الزَئّارِ
خَدَمَ القَضاءُ مُرادَهُ فَكَأَنَّما
مَلَكَت يَداهُ أَعِنَّةَ الأَقدارِ
وَعَنا الزَمانُ لِأَمرِهِ فَكَأَنَّما
أَصغى الزَمانُ بِهِ إِلى أَمّارِ
وَجَلا الإِمارَةَ في رَقيقِ نَضارَةٍ
جَلَتِ الدُجى في حُلَّةِ الأَنوارِ
في حَيثُ وَشَّحَ لَبَّةً بِقِلادَةٍ
مِنها وَحَلّى مِعصَماً بِسِوارِ
جَذلانَ يَملَأُ مِنحَةً وَبَشاشَةً
أَيدي العُفاةِ وَأَعيُنَ الزُوّارِ
مُتَقَسِّمٌ مابَينَ بَدرِ دُجُنَّةٍ
أَسرى وَبَينَ غَمامَةٍ مِدرارِ
أَرِجَ النَدِيُّ بِذِكرِهِ فَكَأَنَّهُ
مُتَنَفَّسٌ عَن رَوضَةٍ مِعطارِ
في حُسنِ مَنطِقِهِ وَهَشَّةِ وَجهِهِ
مُستَمتَعُ الأَسماعِ وَالأَبصارِ
جارى الرِياحَ إِلى السَماحِ فَما جَرَت
مَعَهُ الرِياحُ النُكبُ في مِضمارِ
وَزَكا فَشَدَّ عَلى العَفافِ إِزارَهُ
إِنَّ العَفافَ لَشيمَةُ الأَحرارِ
يَقِظٌ ذَكا فَهماً وَأَشرَفَ هِمَّةً
وَكَفاكَ مِن نارٍ بِهِ وَمَنارِ
لَبِسَ التَواضُعَ عَن جَلالٍ وَاِرتَقى
شَرَفاً بِحَيثُ سَما سَماءَ فَخارِ
أَلقَت إِلَيهِ بِالأُمورِ إِمارَةٌ
مَلَأَت رُواءً أَعيُنَ النُظّارِ
فَعِنانُ تِلكَ الدَولَةِ الغَرّاءِ في
تَدبيرِ ذاكَ الفارِسِ المِغوارِ
بَطَلٌ جَرى الفَلَكُ المُحيطُ بِسَرجِهِ
وَاِستَلَّ صارِمَهُ يَدُ المِقدارِ
يَمتَدُّ حَبلُ الأَسمَرِ الخَطِّيِّ في
يَدِهِ وَباعُ الأَبيَضِ البَتّارِ
بِيَمينِهِ يَومَ الوَغى وَشِمالِهِ
ماشاءَ مِن نارٍ وَمِن إِعصارِ
فَالشَمسُ خَمرٌ وَالجِيادُ عَرائِسٌ
وَالجَوُّ كاسٍ وَالسُيوفُ مَداري
وَالخَيلُ تَعثُرُ في شَبا شَوكِ القَنا
وَتَظَلُّ تَسبَحُ في الدَمِ المَوّارِ
وَالبيضُ تُحنى في الطُلى فَكَأَنَّما
لُوِيَت عُرىً مِنها عَلى أَزرارِ
وَالنَقعُ يَكسُرُ مِن سَنا شَمسِ الضُحى
فَكَأَنَّهُ صَدَأٌ عَلى دينارِ
صَحِبَ الحُسامَ النَصرُ صُحبَةَ غَبطَةٍ
في كَفِّ صَوّالٍ بِهِ سَوّارِ
لَو أَنَّهُ أَوحى إِلَيهِ بِنَظرَةٍ
يَوماً لَثارَ فَلَم يَنَم عَن ثارِ
وَمَضى وَقَد مَلَكَتهُ هِزَّةُ عِزَّةٍ
تَحتَ العَجاجِ وَضِحكَةُ اِستِبشارِ
وَلَرُبَّ صِفرِ الكَفِّ هاذٍ بِالمُنى
كَلِفٍ بِأَطوارٍ مِنَ الأَوطارِ
قَد أَسبَلَ الظَلماءَ سِتراً دونَهُ
وَخلا بِأَبكارٍ مِنَ الأَفكارِ
صاحَت بِهِ الأَيّامُ تَرفَعُ صَوتَها
فَكَأَنَّما نادَتهُ خَلفَ جِدارِ
دَع عَنكَ ثَيِّبَ كُلِّ نُعمى وَاِلتَمِس
مِنَحاً لِإِبراهيمَ فَهيَ عَذاري
وَاِربَع بِحَيثُ تَصوبُ أرَضَكَ ديمَةٌ
لِيَمينِ يُمنٍ أَو يَسارِ يَسارِ
هَطلاءُ تَضحَكَُ كُلُّ زَهرَةِ صَفحَةٍ
عَنها وَتُعشِبُ كُلُّ ساحَةِ دارِ
مِن مَعشَرٍ تَدمى بِهِم يَومَ الوَغى
بيضُ السُيوفِ وَأَوجُهُ الكُفّارِ
وَتَحورُ نَفسُ المُستَطيلِ مَهابَةً
وَيَذِلُّ رُغماً مَعطِسُ الجَبّارِ
جَمَعَ النَدى بِهِم وَصَدرُ المُنتَدى
كَرَمَ النُفوسِ وَرِقَّةِ الأَبشارِ
سادَ السُراةُ بِما اِستَفادوا عَنهُمُ
إِنَّ الشُموسَ لِعِلَّةُ الأَقمارِ
وَسَخا الكِرامُ بِما اِستَمَدّوا مِنهُمُ
إِنَّ البِحارَ لَمَنشَءُ الأَمطارِ
تَنميهُمُ الدُنيا إِلى صِنهاجَةٍ
وَالدينُ يُنميهُم إِلى الأَنصارِ
شادَت يَدُ العَلياءِ في عَرَصاتِهِم
أَعلى مَنارٍ في أَعَزِّ دِيارِ
مِن كُلِّ غَيثٍ لِلسَماحَةِ واكِفٍ
يَهمي وَقِرنٍ في الوَغى هَدّارِ
يَتَتابَعونَ إِلى الصَريخِ كَأَنَّهُم
أَمواجُ بَحرٍ قَد طَمى زَخّارِ
كَم مُطلَقٍ لِنَداهُمُ وَظِباهُمُ
مِن قَيدِ إِعسارٍ وَقَدِّ إِسارِ
وَرِداءِ مَجدٍ طُرِّزَت أَعطافُهُ
بِالحَمدِ لايَبلى عَلى الأَعصارِ
فَلَو أَنَّهُم خَلَدوا خُلودَ ثَنائِهِم
لَم تَنفَصِم عَنهُم عُرى الأَعمارِ
وَإِلَيكَ مِن حَوكِ البَديعِ قَوافِياً
هَزَّ النَشيدُ بِها مُتونَ شَفارِ
زَفَّت أَبا بَكرٍ إِلَيكَ مَحاسِناً
جاءَتكَ تَحمِلُ عُذرَةَ الأَبكارِ
فَأَصِخ إِلى هَزجِ المَديحِ فَإِنَّما
صَدَحَت بِأَغصانِ السُطورِ قِماري
هَزَّت مَعاطِفَ سامِعيها حِكمَةً
كادت تَهُزُّ مَعاطِفَ الأَسطارِ
مَسَحَت جُفونَ الرَكبِ مِن سِنَةِ الكَرى
وَلَوَتهُمُ طَرَباً عَلى الأَكوارِ
وَرَأَتكَ كُفؤاً فَاِنتَحَتكَ عَلى النَوى
وَالبُعدِ بَعدَ السِتَّةِ الأَقطارِ
فَاِطلَع لِرَوضَتِها صَباحاً نَيِّراً
يَستَضحِكُ النُوّارُ لِلأَنوارِ
وَاِسلَم أَبا يَحيى لَها مِن دَولَةٍ
كَسَتِ اللَيالي رَونَقَ الأَسحارِ
وَاِنهَد لَها فَالسَيفُ في يَدِ فارِسٍ
يَسطو بِهِ وَالسَهمُ في يَدِ باري
وَاِشفَع عَلى شَحطِ الدِيارِ لِآمِلٍ
أَهدى الثَناءَ عَلى تَنائي الدارِ
قراءة في كلمات الأغنية
قبل ابن خفاجة كانت الطبيعة في القصيدة العربية ممرّاً: يصف الشاعر الروضة ثم ينتقل إلى المدح أو الغزل. أمّا هو فوقف عندها وجعلها الغاية. والأهمّ أنه منحها إرادة وصوتاً: الجبل عنده يتكلّم ويشهد على من مرّ به من الأجيال، والنهر يذكر ويُذكِّر. وبهذا خرج من الوصف إلى ما هو أبعد — إلى تأمّل في الزمن والفناء يتّخذ المنظر ذريعة له. ومن هنا جاء أثره الطويل في شعراء الأندلس والمغرب بعده، حتى صارت مدرسته تُعرف باسمه.
تحليل تحريري أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.
قصة العمل
عاش ابن خفاجة نحو ثمانين سنة في إقليم واحد لم يبرحه إلا قليلاً، وزهد في أن يكون شاعر بلاط يتنقّل بين الممدوحين. وكانت شرق الأندلس في زمنه تتقلّب بين أيدي المتحاربين — سقطت بلنسية ثم استُرجعت، وجاء المرابطون بعد ملوك الطوائف — وهو يرى ذلك كلّه من قريته على النهر. فبينما كان معاصروه يؤرّخون للحروب، كان هو يكتب الجبل والنهر والبستان، حتى صار وطنه في شعره هو المكان نفسه لا الدولة التي تحكمه.
محتوى توثيقي أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.
معلومات ومفارقات
لقب «الجنّان» يعني صاحب الجنّة أي البستان، وقد لزمه حتى صار علامة على مذهبه في الشعر. وقد شهد في حياته سقوط بلنسية بيد القشتاليين ثم عودتها، فكان من القلائل الذين عاصروا ذلك التحوّل كلّه وظلّ شعرهم بعيداً عن ضجيجه.
معلومات توثيقية مختارة من إعداد أرشيف aama.sa.
عن الفنان: ابن خفاجه
تعرف على المزيد →
بلد المنشأ:
الأندلس
سنة الميلاد:
1058
سنة الوفاة:
1138
ابن خفاجه شاعر المعروف بأسلوبه الشعري المميز، ينتمي إلى العصر العباسي في العالم العربي، ويضم الأرشيف عدداً من النصوص المنسبة إليه تُغنّى وُتُقرأ حتى اليوم. عاش/عاشت له حياة حافلة بالأحداث التاريخية، وذاع شعره في وصف الأندلس ومدح ملوكها، وبقي ديوانه من أهم مصادر الشعر الأندلسي في القرن الخامس والسادس الهجري.
المسيرة والإنجازات
من أبرز ما غُنّي لـابن خفاجه: وتيقن أن الله أكرم جيرة، تقبل المهر من أخي ثقة، ليهنك وافد أنس سرى، أنعم فقد هبت النعامى، عاط أخلاءك المداما، وندي أنس هزني، وبيضاء في صفراء تحمل نفحة، جرر ملاءة كل يوم شامس، غيري من يعتد من أنسه، أورى بأفقك بارق يتألق، أوجهك بسام وطرفي باكي، أريت أي بنية، بهرت جمالا فرعت البصر، الليل إلا حيث كنت طويل، ألا بكى الدر فوق حالية.
أعمال أخرى لـ ابن خفاجه
تنويه حقوق:
النص الغنائي أعلاه مملوك لأصحاب حقوقه من شعراء وملحّنين وشركات إنتاج، ويُعرض هنا لغرض التوثيق والأرشفة المرجعية.
المادة التحريرية المصاحبة (بطاقة العمل، المعنى، القراءة، القصة، المصادر، نبذة الفنان) من إعداد فريق الموقع.
أصحاب الحقوق يمكنهم تقديم طلب إزالة عبر هذا النموذج.