ترامى الليل كالهم الثقيل

إلياس أبو شبكة

(41) مشاهدة


«ترامى الليل كالهم الثقيل» — إلياس أبو شبكة: النص الكامل مكتوباً وواضحاً للقراءة.
مقدمة تحريرية عن العمل — من إعداد أرشيف aama.sa.

كلمات أغنية «ترامى الليل كالهم الثقيل»

تَرامى اللَيلُ كَالهَمِّ الثَقيلِ
يَجُرُّ ذُيولَ مِعطَفهِ الطَويلِ
وَيُبرِزُ في مَشارِفهِ نُجوماً
بِلَونٍ بُرتُقالِيٍّ ضَئيلِ
وَكانَت زوق ميكائيل تُصغي
الى هَمسِ النَياسم في الحُقولِ
فَتَبسِمُ عَن كَواكِبها النَحيلَه
وَتَحلمُ في جَواذِبِها الجَميلَة
بِعَهدٍ مَرَّ في الدُنيا جَميلِ
وَكانَت قُبَّةُ الجَرَس المُقيمَه
عَلى عَمَدَي كَنيسَتُها القَديمَه
تَقَطَّعُ في السَماءِ وَقد تَرامى
عَلَيها النورُ أَفلاذاً سَقيمَه
كَطَيفٍ يَخفر الأَمواتِ لَيلاً
وَيَبقى ساهِراً سَهَرَ الأُمومه
وَكانَ اللَيلُ مُنفَطِرَ الشُعورِ
أَحَسَّ لَهيبَ سُكّانِ القُبورِ
فَلَطَّفَ في مَعابِرِهِ نَسيمَه
وَكانَت أَغصُنُ الدَوح القَديمِ
يَهزُّ رُؤوسَها مَرُّ النَسيمِ
فَيُسمَع في الدُجى مِنها حَفيفٌ
كَصَوتِ الوَخزِ في قَلبٍ أَثيمِ
وَفي الاِكواخِ أَقباسٌ ضِعافٌ
كَأَخيِلَةِ الكَواكِبِ في الأَديمِ
تُصَعِّدُ في نَوافِذها الصَغيرَه
زَفيراً من أَشعَّتها الحَقيرَه
كَأَنَّ بزيتها بَعضَ الهُمومِ
وَفي الأَبعادِ كان يُرى الخَليجُ
تَمجُّ مِياهُهُ نوراً يَموجُ
كَلَوحٍ أَسوَدٍ مُلقىً عَلَيهِ
إِطارٌ فيهِ من ذَهَبٍ نَسيجُ
تُدبِّجهُ مَصابيحٌ وَزُهرٌ
لَها في الماءِ مَنظَرُها البَهيجُ
وَأَضواءُ النُجوم عَلى الشَواطِىءُ
إِذا اِمتَزَجَت بِأَضواءِ المرافىء
يَكونُ مِنَ الخَيالِ بِها مَزيجُ
دَعِ الأَبعادَ في اللَيلِ الجَميلِ
تَنَم سَكرى مَعَ النورِ الضَئيلِ
وَخَلِّ أَنامِلَ النَسَماتِ تَلعَب
كَما شاءَت بِأَوراقِ الحُقولِ
وَدَع قَطرَ النَدى المَخمورَ يَسقُط
عَلى جَسَد الجَنائِنِ وَالطلولِ
وَهَيّا بي نَلِج قَصراً صَغيرا
تَرى المِصباحَ يَملاُوه شُعورا
رَسا في الزَوق من عَهدِ طَويلِ
فَتُبصِرَ إِن وَلَجتَ فَتىً كَئيبا
مِنَ الإِحساسِ يوشِكُ أَن يَذوبا
إِذا أَمعَنتَ فيه رَأَيتَ جِسماً
يَفور كَأَنَّ في دَمِهِ لَهيبا
لَهُ قَلبٌ يُرى في كُلِّ قَلبٍ
كَأَنَّ اللَهَ ذَرَّ بِهِ قُلوبا
فَتىً كَالفَجرِ أَلواناً وَعُمرا
إِذا أَبصَرتَه أَبصَرتَ فَجرا
يَمُدُّ جَمالُهُ ظِلّا غَريبا
وَإِن أَصغَيتَ تَسمَعُهُ يَقولُ
لِوالِدَةٍ أَلَمَّ بِها النُحولُ
لِأُمٍّ فارَقَت زوجاً حَبيباً
طَواهُ من الرَدى لَيلٌ ثَقيلُ
أُحِسُّ لَها اِضطِّراباً في فُؤادي
وَدَمعاً في حَناياهُ يَجولُ
وَما أَحسَستُ امسِ بِمِثلِ هذا
فَاِمسي كان لا ادري لِماذا
جَميلاً كُلُّ ما فيهِ جَميلُ
أَجل يا أُمِّ صِرتُ فَتىً شَقيّا
يَكادُ اليَأسُ يُطفىءُ مُقلَتَيّا
فَأَينَ مَضَت لَيالِيَّ الخَوالي
وَقَلبٌ كان في الماضي خَلِيّا
أَرى غَلواءَ تُعرِضُ عن هُيامي
وَيَكتُمُ قَلبُها سِرّاً خَفِيّا
وَتَسمَعُها تَقولُ لَهُ شَفيقُ
بُنَيَّ لَقَد أَضلَّتكَ الطَريقَ
فَهَل نَبَّهت قَلبَكَ يا بُنَيّا
جَميلٌ يا وَحيدي أَن تُحبّا
وَتَرفَعَ لِلهَوى عَيناً وَقَلبا
وَتَسمَعَ مِنهُ أَنغاماً عِذاباً
وَتَشرَب من يَدَيهِ الماءَ عَذباء
لَقَد أَحسَستُ قَبلَكَ بِاِضطِرابٍ
وَقاسَيتُ الهَوى سَهلا وَصَعبا
وَلكِن لَيسَ يَندَمُ مَن تَأَنّى
فَغلوا يا اِبنِ أَكبَرُ مِنكَ سِنّا
اِذا رَضِيَ الهَوى فَالعُمرُ يَأبى
تَأَنَّ فَسَوفَ تَهوى مَن تُريدُ
وَتَهواكَ العَذارى وَالوُرودُ
فَمِثلُكَ لا يُجاوِرُهُ قُنوطٌ
وَمِلءُ شَبابِهِ عَقلٌ رَشيدُ
أَمامك يا اِبن أَعوامٌ طِوالٌ
وَمن زَهَرِ الهَوى عَدَدٌ عَديدُ
تَأَنَّ فَسَوفَ تَقطِفُ مِنهُ زَهرَه
تَكونُ أَشَدَّ من غَلواءَ نُضرَه
يُبارِكُ عِطرَها العَهدُ الجَديدُ
فَيُطلِقُ زَفرَةَ التَمِسِ الكَئيبِ
وَيَغرَقُ في دُجى فِكرٍ غَريبِ
وَيَذهَبُ لا يُجيبُ وَفي هَواهُ
لَظى شَكٍّ أَشَدُّ مِنَ اللَهيبِ
وَكَيفَ يُجيبُ أُمّا جَفَّ فيها
عُصارُ الحُبِّ في عَهد الغُروبِ
أَيا أُمي اِصرِفي ذي الكَأسَ عَنّي
فَما في الحُبِّ شَأنٌ لِلتَأَنّي
وَما لِلعُمر شَأنٌ في القُلوبِ
وَيَذهبُ لا يُجيبُ وَفي هَواهُ
من الاِشجانِ ما يُضني قِواهُ
دَعي يا أُمِّ زَهرَ الناسَ يَبسِم
وَيَنشَق في الوَرى غَيري شَذاهُ
فَلي في جَنَّةِ الاِشواكِ زَهرٌ
غَريبُ اللَونِ لا أَرضى سِواهُ

قراءة في كلمات الأغنية

«أفاعي الفردوس» من النصوص القليلة في الشعر العربي الحديث التي يُحسّ فيها خطر حقيقي. فالرومانسية العربية في الغالب رقيقة شاكية، أمّا أبو شبكة فيكتب رومانسية عنيفة فيها إثم وندم وجسد، ويستعمل المادّة التوراتية لا للتزيين بل لبناء عالم أخلاقي كامل يتصارع فيه. وهذا يجعله أقرب إلى بودلير من أقرانه اللبنانيين. ومن هنا موقعه: هو ذروة الرومانسية اللبنانية وحدّها الأخير في وقت واحد، لأنه أوصل شعر الوجدان إلى نهاية لم يكن ممكناً بعدها إلا الانتقال إلى شيء آخر — وهو ما فعله جيل الشعر الحرّ بعده بقليل.
تحليل تحريري أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.

قصة العمل

وُلد أبو شبكة في أميركا حيث كانت أسرته مهاجرة، ثم رجعت به إلى لبنان طفلاً، فنشأ في ذوق مكايل. وكان مشغولاً بصراع لم يهدأ عنده بين الجسد والروح، بين ما يجذبه وما يؤنّبه، فأخرج ذلك في «أفاعي الفردوس»: نصّ قاتم يستعمل قَصص الكتاب المقدّس ورموزه ليقول به عذابه الخاصّ. ثم مات بمرض في الدم سنة 1947 وهو في الرابعة والأربعين، فانقطع صوت كان بعد في اشتداده.
محتوى توثيقي أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.

معلومات ومفارقات

كان على صلة بحركة الأدب اللبناني في الثلاثينيات ونقل من الرومانسيين الفرنسيين إلى العربية. ومات في السنة نفسها التي كانت الحركة الشعرية العربية تتحوّل فيها إلى مسار جديد، فبقي اسمه علامة على ما قبل التحوّل.
معلومات توثيقية مختارة من إعداد أرشيف aama.sa.
إلياس أبو شبكة
بلد المنشأ: الولايات المتحدة
سنة الميلاد: 1903
سنة الوفاة: 1947
يُعتبر إلياس أبو شبكة شاعرة بارزاً من الولايات المتحدة، عاش/عاشت في العصر الحديث والمعاصر، وترك/تركت بصمة واضحة في الأدب العربي من خلال نصوصه الشعرية التي تجمع بين العاطفة والبلاغة. تميّز لها شعر بدقة اللغة وقوة الصورة،
المسيرة والإنجازات
قدّمت إلياس أبو شبكة نصوصاً شعرية غنّاها كثير من المطربين، وتبرز من رصيده الغنائي أعمال مثل: الحب والخمر، آوها، كيف قوضتم بناء القضاء، حلمت بدنيا ليتها لا تبدد، أسمعيني لحن الردى أسمعيني، شاعر الدمع ما جنيت بشيء، ضيعت في هضب الهوى رشدي، يا عنب شكل الدمى، ملقيه بحسنك المأجور، لقد مر بي أمس بالصدفة، أحبك حين أراك تنوحين، أنظروه تروا خيالي فيه، أعشق الصدق لا أقول سوى الحق، لا لقوم ولا لدين، ألا تبصر الأغصان بللها القطر. يعكس هذا الإرث تنوّع اهتماماته الشعرية وقدرته على تجسيد المشاعر الإنسانية بألفاظ بليغة.

أعمال أخرى لـ إلياس أبو شبكة

تنويه حقوق: النص الغنائي أعلاه مملوك لأصحاب حقوقه من شعراء وملحّنين وشركات إنتاج، ويُعرض هنا لغرض التوثيق والأرشفة المرجعية. المادة التحريرية المصاحبة (بطاقة العمل، المعنى، القراءة، القصة، المصادر، نبذة الفنان) من إعداد فريق الموقع. أصحاب الحقوق يمكنهم تقديم طلب إزالة عبر هذا النموذج.
تصحيح الكلمات