زر السجن في بغداد زورة راحم
معروف الرصافي
(51) مشاهدة
نص «زر السجن في بغداد زورة راحم» للشاعر معروف الرصافي مكتوباً بالكامل مع إمكانية النسخ والمشاركة.
مقدمة تحريرية عن العمل — من إعداد أرشيف aama.sa.
كلمات أغنية «زر السجن في بغداد زورة راحم»
زُر السجن في بغداد زورة راحم
لتَشهَد للأنكاد أفجع مشهد
محلّ به تهفو القلوب من الأسى
فإن زرتَه فاربط على القلب باليد
مربَّع سور قد أحاط بمثله
محيط بأعلى منه شِيدَ بقرمد
وقد وصلوا ما بين ثان وثالث
بمعقود سقف بالصخور مُشيَّد
وفي ثالث الأسوار تشجيك ساحةٌ
تمور بتيّار من الخسف مُزبِد
ومن وسط السور الشَماليّ تنتهي
إليها بمسدود الرتاجين مُوصَد
هي الساحة النكراء فيها تلاعبَتْ
مخاريق ضيم تخلِط الجِدّ بالدَد
ثلاثون متراً في جدار يحيطها
بسمكٍ زهاءِ العشر في الجو مُصعِد
تواصلت الأحزان في جنباتها
بحيث متى يبَلَ الأسى يَتَجدَّد
تَصَعَّدَ من جوف المراحيض فوقها
بخار إذا تَمرُرْ به الريح تَفْسُد
هناك يودّ المرء لوقاءَ نفسَه
وأطلقها من أسر عيشٍ مُنكَّد
فقف وسطها وانظر حوالَيْك دائراً
إلى حُجَر قامت على كل مُقْعَد
مقابر بالأحياء غصَّتْ لُحُودُها
بخمس مئين أنفس أو بأزيد
وقد عَمِيَتْ منها النوافذ والكُوى
فلم تكتحل من ضوء شمس بمروَد
تظنّ إذا صدرَ النهار دخلتَها
كأنّك في قِطع من الليل أسود
فلو كان للعُبّاد فيها إقامةٌ
لصلَّوا بها ظهراً صلاة التَهَجُّد
يزور هبوبُ الريح إلاّ فناءها
فلم تَحْظَ من وصل النسيم بمَوْعد
تَضيق بها الأنفاس حتى كأنما
على كل حيزوم صفائح جَلْمَد
وحتى كأن القوم شُدَّتْ رقابهم
بحبل خِناق مُحكَم الفتل مُحصَد
بها كل مخطوم الخشام مذلّلٍ
متى قِيد مجروراً إلى الضيم ينقد
يَبيت بها والهمّ ملءُ إهابه
بليلةِ مَنْبُول الحشا غير مُقصَد
يُميت بمكذوب العزاء نهاره
ويحيي الليالي غيرَ نوم مُشَرَّد
يَنُوءُ بأعباء الهوان مقيَّداً
ويكفيه أن لو كان غير مقيّد
وتَقْذِفهم تلك القبور بضغطها
عليهم لحرّ الساحة المتوقِّد
فيرفع بعض من حصير ظلالةً
ويجلس فيها جلسة المتعبّد
وليس تقيه الحرّ إلا تَعِلّةً
لنفس خلت من صبرها المتبدّد
وبالثوب بعض يستظِلُّ وبعضهم
بنسج لعاب الشمس في القَيْظ يرتدي
فمن كان منهم بالحصير مُظَّللاً
يعدّونه ربّ الطِراف الممدّد
تراهم نهار الصيف سُفْعاً كأنهم
أثافيّ أصلاها الطُهاة بمَوْقِد
وجوه عليها للشُحوب ملامح
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وقد عمّهم قَيد التعاسة مُوثَقاً
فلم يتميّز مُطلَق عن مقيّد
فسيّدهم في عيشه مثل خادم
وخادمهم في ذُلّةِ مثل سيّد
يخوضون في مستنقع من روائح
خبائثَ مهما يَزْدَدِ الحرُّ تَزْدَد
تدور رؤس القوم من شمّ نَتْنها
فمَن يك منهم عادم الشمّ يُحسَد
تراهم سكارى في العذاب وما هم
سكارى ولكن من عذاب مُشدَّد
وتحسبَهم دوداً يعيش بحمأة
وما هو من دود بها متولِّد
ألا رب حرّ شاهد الحكم جائراً
يقود بنا قَوْد الذَلول المعبَّد
فقال ولم يَجهَر ونحن بمنتدىً
به غير مأمون الوشاية ينتدى
على أي حكم أن لأية حكمة
ببغداد ضاع الحقُّ من غير منشد
فأدنيت للنجوى فمي نحو سمعه
وقلت لأن العدل لم يتبغدد
رعى الله حيّاً مستباحاً كأنه
من الذُعر أسراب النَعام المطرَّد
وما صاحب البيت الحقير بناؤها
بأفزع من ربّ البّلاط الممرَّد
وما ذاك إلاّ أنهم قد تخاذلوا
ولم ينهضوا للخصم نهضة مُلِبد
فناموا عن الجُلَّى ونمتُ كنومهم
سوى نَوْحةٍ مني بشعر مغرِّد
وهل أنا إلا من أولئك أن مشوا
مشيت وأن يَقعُد أولئك أقعد
وكمُ رمتُ أيقاظاً فأعيا هُبُوبُهم
وكيف وعزم القوم شارب مُرقِد
نهوضاً نهوضاً أيها القوم للعلا
لتبنوا لكم بنيان مجدٍ مُوَطَّد
تقدمنا قوم فأبْعَدَ شوطُهم
وقد كان عنا شوطهم غيرَ مُبْعِد
وسدّ علينا الاعتشافُ طريقَنا
فأجحف بالغَوْريّ والمتنجِّد
أفي كل يوم يزحف الدهر نحونا
بجندٍ من الخطب الجليل مجنَّد
فيا ربّ نَفِّس من كروب عظيمة
ويا ربّ خفّف من عذاب مشدَّد
لتَشهَد للأنكاد أفجع مشهد
محلّ به تهفو القلوب من الأسى
فإن زرتَه فاربط على القلب باليد
مربَّع سور قد أحاط بمثله
محيط بأعلى منه شِيدَ بقرمد
وقد وصلوا ما بين ثان وثالث
بمعقود سقف بالصخور مُشيَّد
وفي ثالث الأسوار تشجيك ساحةٌ
تمور بتيّار من الخسف مُزبِد
ومن وسط السور الشَماليّ تنتهي
إليها بمسدود الرتاجين مُوصَد
هي الساحة النكراء فيها تلاعبَتْ
مخاريق ضيم تخلِط الجِدّ بالدَد
ثلاثون متراً في جدار يحيطها
بسمكٍ زهاءِ العشر في الجو مُصعِد
تواصلت الأحزان في جنباتها
بحيث متى يبَلَ الأسى يَتَجدَّد
تَصَعَّدَ من جوف المراحيض فوقها
بخار إذا تَمرُرْ به الريح تَفْسُد
هناك يودّ المرء لوقاءَ نفسَه
وأطلقها من أسر عيشٍ مُنكَّد
فقف وسطها وانظر حوالَيْك دائراً
إلى حُجَر قامت على كل مُقْعَد
مقابر بالأحياء غصَّتْ لُحُودُها
بخمس مئين أنفس أو بأزيد
وقد عَمِيَتْ منها النوافذ والكُوى
فلم تكتحل من ضوء شمس بمروَد
تظنّ إذا صدرَ النهار دخلتَها
كأنّك في قِطع من الليل أسود
فلو كان للعُبّاد فيها إقامةٌ
لصلَّوا بها ظهراً صلاة التَهَجُّد
يزور هبوبُ الريح إلاّ فناءها
فلم تَحْظَ من وصل النسيم بمَوْعد
تَضيق بها الأنفاس حتى كأنما
على كل حيزوم صفائح جَلْمَد
وحتى كأن القوم شُدَّتْ رقابهم
بحبل خِناق مُحكَم الفتل مُحصَد
بها كل مخطوم الخشام مذلّلٍ
متى قِيد مجروراً إلى الضيم ينقد
يَبيت بها والهمّ ملءُ إهابه
بليلةِ مَنْبُول الحشا غير مُقصَد
يُميت بمكذوب العزاء نهاره
ويحيي الليالي غيرَ نوم مُشَرَّد
يَنُوءُ بأعباء الهوان مقيَّداً
ويكفيه أن لو كان غير مقيّد
وتَقْذِفهم تلك القبور بضغطها
عليهم لحرّ الساحة المتوقِّد
فيرفع بعض من حصير ظلالةً
ويجلس فيها جلسة المتعبّد
وليس تقيه الحرّ إلا تَعِلّةً
لنفس خلت من صبرها المتبدّد
وبالثوب بعض يستظِلُّ وبعضهم
بنسج لعاب الشمس في القَيْظ يرتدي
فمن كان منهم بالحصير مُظَّللاً
يعدّونه ربّ الطِراف الممدّد
تراهم نهار الصيف سُفْعاً كأنهم
أثافيّ أصلاها الطُهاة بمَوْقِد
وجوه عليها للشُحوب ملامح
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وقد عمّهم قَيد التعاسة مُوثَقاً
فلم يتميّز مُطلَق عن مقيّد
فسيّدهم في عيشه مثل خادم
وخادمهم في ذُلّةِ مثل سيّد
يخوضون في مستنقع من روائح
خبائثَ مهما يَزْدَدِ الحرُّ تَزْدَد
تدور رؤس القوم من شمّ نَتْنها
فمَن يك منهم عادم الشمّ يُحسَد
تراهم سكارى في العذاب وما هم
سكارى ولكن من عذاب مُشدَّد
وتحسبَهم دوداً يعيش بحمأة
وما هو من دود بها متولِّد
ألا رب حرّ شاهد الحكم جائراً
يقود بنا قَوْد الذَلول المعبَّد
فقال ولم يَجهَر ونحن بمنتدىً
به غير مأمون الوشاية ينتدى
على أي حكم أن لأية حكمة
ببغداد ضاع الحقُّ من غير منشد
فأدنيت للنجوى فمي نحو سمعه
وقلت لأن العدل لم يتبغدد
رعى الله حيّاً مستباحاً كأنه
من الذُعر أسراب النَعام المطرَّد
وما صاحب البيت الحقير بناؤها
بأفزع من ربّ البّلاط الممرَّد
وما ذاك إلاّ أنهم قد تخاذلوا
ولم ينهضوا للخصم نهضة مُلِبد
فناموا عن الجُلَّى ونمتُ كنومهم
سوى نَوْحةٍ مني بشعر مغرِّد
وهل أنا إلا من أولئك أن مشوا
مشيت وأن يَقعُد أولئك أقعد
وكمُ رمتُ أيقاظاً فأعيا هُبُوبُهم
وكيف وعزم القوم شارب مُرقِد
نهوضاً نهوضاً أيها القوم للعلا
لتبنوا لكم بنيان مجدٍ مُوَطَّد
تقدمنا قوم فأبْعَدَ شوطُهم
وقد كان عنا شوطهم غيرَ مُبْعِد
وسدّ علينا الاعتشافُ طريقَنا
فأجحف بالغَوْريّ والمتنجِّد
أفي كل يوم يزحف الدهر نحونا
بجندٍ من الخطب الجليل مجنَّد
فيا ربّ نَفِّس من كروب عظيمة
ويا ربّ خفّف من عذاب مشدَّد
قراءة في كلمات الأغنية
الرصافي والزهاوي معاً هما ما أخرج الشعر العراقي من المدح إلى المجتمع، لكنهما فعلا ذلك على وجهين مختلفين: الزهاوي بالفكرة المجرّدة والجدل العقلي، والرصافي بالمشهد المحسوس. فهو يبني القصيدة على صورة واقعية — امرأة، طفل، حالة يراها المارّ في الطريق — ثم يستنطقها الحكم الاجتماعي. وهذه طريقة أقرب إلى الصحافة والقصّ منها إلى الغزل والفخر، وهي التي جعلت شعره يبقى في الذاكرة الشعبية العراقية أكثر من بقاء شعر معاصريه. وخصومته مع الزهاوي، على حدّتها، كانت من أخصب ما حرّك الحياة الأدبية في بغداد.
تحليل تحريري أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.
قصة العمل
لم يكن الرصافي شاعر بلاط ولا شاعر صالون، بل شاعراً يكتب عن اليتيم والأرملة والفقير والمرأة المحجوبة عن التعليم، في زمن كان أكثر الشعر يتّجه إلى الأمراء. وقد دخل السياسة نائباً في العهد العثماني، ثم لمّا قامت الدولة العراقية لم يجد فيها موضعاً يرضاه، فبقي على خصومة مع أهل الحكم حتى آخر عمره. ومات سنة 1945 في فقر شديد لا يشبه مكانته — وهي نهاية تُذكَر عنه كلّما ذُكر اسمه.
محتوى توثيقي أصلي من إعداد أرشيف aama.sa.
معلومات ومفارقات
خصومته الأدبية مع الزهاوي من أشهر الخصومات في الأدب العربي الحديث، وكانت تُتابع في الصحف كما تُتابع المباريات. وله كتاب «الشخصية المحمّدية» الذي أثار جدلاً واسعاً ولم يُنشر في حياته.
معلومات توثيقية مختارة من إعداد أرشيف aama.sa.
عن الفنان: معروف الرصافي
تعرف على المزيد →
بلد المنشأ:
العراق
سنة الميلاد:
1875
سنة الوفاة:
1945
معروف الرصافي شاعر المعروف بأسلوبه الشعري المميز، ينتمي إلى العصر الحديث والمعاصر في العراق، ويضم الأرشيف عدداً من النصوص المنسبة إليه تُغنّى وُتُقرأ حتى اليوم. عاش/عاشت له حياة حافلة بالأحداث التاريخية، ويُعد من رواد النهضة الشعرية في العراق مع الجواهري والزهاوي، وتميز شعره بالتعبير عن قضايا المجتمع والوطن، وله ديوان مطبوع ظل يُدرَّس عقوداً.
المسيرة والإنجازات
قدّم معروف الرصافي نصوصاً شعرية غنّاها كثير من المطربين، وتبرز من رصيده الغنائي أعمال مثل: قل لنجلا نجلا أبي اللمع إني، سمي المصطفى لا زلت تعلو، تفكرت في كنه الحياة فلم أكن، نحن للحرب العوان، أما وقد طلع الرجاء، نعمت الدار للنفيض دارا، زهرة قد بدت من الأكمام، حي هل يا أخا مصر، إن العراق بعرضه وبطوله، أيها القوم مالكم في جمود، قل للحجابيين كيف ترونكم، أرى الأيام ظامئة وليست، لله سر في الأنام مطلسم، نحن من أرضنا على منطاد، دار ذا الدهر مداره. يعكس هذا الإرث تنوّع اهتماماته الشعرية وقدرته على تجسيد المشاعر الإنسانية بألفاظ بليغة.
أعمال أخرى لـ معروف الرصافي
تنويه حقوق:
النص الغنائي أعلاه مملوك لأصحاب حقوقه من شعراء وملحّنين وشركات إنتاج، ويُعرض هنا لغرض التوثيق والأرشفة المرجعية.
المادة التحريرية المصاحبة (بطاقة العمل، المعنى، القراءة، القصة، المصادر، نبذة الفنان) من إعداد فريق الموقع.
أصحاب الحقوق يمكنهم تقديم طلب إزالة عبر هذا النموذج.